في كراهية الاصطفاف .. العسكري !1

في كراهية الاصطفاف .. العسكري !١

صفونا ..صفًا.. صفًا الأجهر صوتًا والأطول وضعوه في الصف الأول ذو الصوت الخافت والمتواني وضعوه في الصف الثاني أعطوا كلا منا دينارًا من ذهب قاني براقًا لم تلمسه كف من قبل قالوا: صيحوا.. زنديق كافر صحنا.. زنديق كافر قالوا: صيحوا فليقتل إنا نحمل دمه في رقبتنا فليقتل إنا نحمل دمه في رقبتنا قالوا: امضوا فمضينا الأجهر صوتًا والأطول يمضي في الصف الأول ذو الصوت الخافت والمتواني يمضي في الصف الثاني  … مأساة الحلاج ..صلاح عبد الصبور

ترتفع في هذه الأيام نغمة عاتية صاخبة ،تغطي على كل ماعاداها من الأصوات، لا تريد أن تسمع صوتًا غير صوتها لا ناصحًا ولا طبعا معارضًا ناقدًا، تستند في علوها وصخبها إلى أن من أطلقها هو رئيس الدولة نفسه ! الداعى إليها والمشدد على التمسك بها فهي وحدها طريقنا للنجاة، ألا وهي نغمة الاصطفاف صفًا واحدًا ـ وراء الرئيس طبعا! ـ لأننا في حالة حرب ومواجهة مع خطر الإرهاب والإنقسامات تهدد أن تعصف بمصر كما عصفت ببعض دول المنطقة، وحولت عمارها وحضارتها إلى خراب وحطام هائل ، وشعوبها الآمنة المطمئنة إلى مهاجرين ضائعين خارج بلادهم أو مطاردين بالموت جوعًا أو قتلًا كل ثانية داخلها، وفي حالة الحرب هذه لا مجال للنقد ولا للتشكيك في القيادة وأفعالها وأقوالها، فهذا ولا ريب خيانة صريحة وطعنة غادرة لجنودنا البواسل الذين يموتون دفاعًا عنا ونحن آمنين كي نبقى آمنين ،فهل يجوز أن نطعنهم في ظهورهم؟! ونشكك في أدائهم وكفائتهم؟!، فضلاً عن أنه تهديد صريح للأمن القومي المصري وتقسيم للوطن بين أراء وإختلافات ووجهات نظر في وقت لا يحتمل أي تردد أو ” خروج عن الصف “.

الحق أني أرى الكثير من هذا الرأي صحيح، وبعضه باطل بطلانًا بينًا ،لكنهم يلبسوه ثوب الحق .فهو الباطل الذي يراد به الحق، فأما الصحيح الذي لا خلاف عليه فهو أن المنطقة العربية كلها تمر بحالة غليان فجرت دولًا عريقة منها وتهدد الباقين بالتفجير، وأن لا أحد آمن في هذه السيولة على بلده وعلى حدودها أو على حياته أو شكلها الذي استقر عليه من سنين، وأن عوامل التفجير ـ وأقصد هنا عوامله الداخلية ـ التي أشعلت بعض هذه الدول موجودة ـ أو للدقة معظمها ـ في باقي الدول وتهدد بتفجيرها في أي وقت.

يقولون إن التاريخ لا يكرر نفسه إلا مع الأمم التي لا تدرس تاريخها وتتعلم منه، هنا أتحول لما أراه باطلًا في الرأي السابق، الشئ المدهش والمزعج حقًا ألا ننتبه لأن الدول التي إشتعلت فعلاً ، وانفجرت من داخلها أولاً ،هي دول الرأي الواحد!، والاصطفاف حول ما يراه الزعيم !، وتخوين المعارضة والنقد والتشكيك في وطنيتهم وعمالتهم للخارج!!، هي العراق صدام حسين ، وسوريا الأسد أب وإبن ، وليبيا القذافي ، ويمن عبدالله صالح !! ، هم الورثة الشرعيون لنظام عبد الناصر العسكري في المنطقة ، تلاميذه وأبناؤه ومطبقوا نهجه المؤسف، نهج الرأي الواحد رأي الزعيم المفكر القائد الذي يعرف ما لا نعرف، ونذهب لنومنا مطمئنين إلى أنه يقظ يحمي الوطن وحده ويحرسه بكفاءته وسداد بصيرته ونحن نيام !.. حتى نصحو جميعًا على كارثة ٦٧ التى أسماها تخفيفًا وتهوينًا نكسة ، وهي أكبر هزيمة وفضيحة لمصر في تاريخها كله!. لا تظن أني أبرئ بهذا أنظمة الدول العربية التي لم تسقط بعد، أو أنها بمنأى عن إنهيارات “الدومينو ” في المنطقة، فهي لا تختلف إلا في الدرجة فقط عن الأنظمة العسكرية الديكتاتورية التي سقطت فعلاً، وما تأخرها إلا مسألة وقت، وبديلها الوحيد للنجاة هو إجراء تعديلات جوهرية وحاسمة في أنظمتها تعطي لشعوبها دورًا حقيقيًا في إدارة البلاد وتحل سياسيًا مشاكلها الداخلية وإختلافاتها وخلافاتها (الدينية والعرقية و..إلخ) فتبطل بالسياسة عوامل الإنفجار ، إما هذا أو أن دورها قادم لا ريب. نعم ياسادة !، نظام حكمنا العسكري الذي إمتد من عبد الناصر لمبارك، والذي طبقه بأمانة تلامذة عبد الناصر من الحكام العسكريين من ليبيا إلى العراق، النظام الذي ألغى المواطن ومسخه وحوله إلى ببغاء يردد فقط ما يقوله الزعيم وتبثه في أذنه أجهزة الإعلام ليل نهار، هو السبب والمسؤول الأول عما نحن فيه، النظام الذي ينظر للمواطن على أنه ناقص الأهلية غير جدير بأن يكون له رأي في ما يحدث في بلده وفيما يهدد مستقبله ومستقبل أولاده !! ، فهو لا يعرف ما نعرف !!، ولماذا لا تعرفه ؟! لإنك لا تضمن رد فعله فهو جاهل عديم الوعي ، ومن غيرك المسؤول عن جهله وقلة وعيه ؟! ثم ألم يكن عبد الناصر وصدام حسين و..و مواطنين في نفس البلد وتنطبق عليهم نفس الأوصاف ؟! أم أن إلهامًا أو وحيًا إلهيًا نزل عليهم فجأة فتحولوا من مواطن جاهل عديم الوعي، لزعيم ملهم وملهم مفكر قائد، ” لا يسأل عما يفعل وهم يسألون” كما وصف أحدهم السادات يومًا بصفات الله!! ..نموت جميعًا وبلدنا معنا فداه ؟!!!.

أما عن الاصطفاف بمعنى أن نقف جميعًا وراء جيشنا، ندعمه ونآزره ونحمي ظهره، فهذا مما لاشك فيه ولا يصح أن يشكك في موقف أي مصري ورأيه النابع من إخلاصه وحرصه على بلده، فلا يجوز تخوين معارض أو ناقد يرى مثلاً فساد فكرة ترحيل سكان رفح وأن الأنفاق ليست هي السبب المباشر في تسرب الأسلحة والإرهابيين، أو يرى آخر أن المفروض أن يوفر لهم أماكن إقامة محترمة ولائقة ومصادر للدخل تعوضهم عما فقدوه قبل ترحيلهم !، أو أن يرى ثالث أن هذا هو الحل الناجع . ويجب التحقيق في لماذا تأخر كل هذا الوقت قبل تنفيذه وتكبدنا كل هذه الخسائر في الجنود ؟!!، كل هذه الأراء ،على إختلافها وتناقضها، أراء وطنية مخلصة وليس من حق أحد أن يفترض غير ذلك أو يشكك في وطنية صاحبها وحرصه على بلده ، فالخيانة لا تطلق هكذا إعتباطا لتخويف من لا تعجبنا أراءه وإرهابه، إنما تثبت الخيانة فقط بمحاكمة وإدانة !. كل هذه الأراء المتعارضة هدفها واحد هو الحرص على الجيش والإنتصار في معركتنا على الإرهاب بأقل الخسائر الممكنة، لكنها تتخذ طرقًا مختلفة للوصول لنفس الهدف، وتتعارض أحيانا لأن الطبيعي أننا مختلفين وهذا الإختلاف هو ما يثري الحوار وربما يطرح حلولا ناجحة كانت غائبة عن ذهن البعض، ثم أن هناك أيضا مشكلة نقص المعلومات عندنا، وهو ما يسأل عنه من يديرون البلد، فليس من حقهم إخفاء المعلومات والحقائق عن الشعب، إلا فقط فيما يخص الأمن القومي ، وأما ما هو تعريف الأمن القومي وما يندرج تحته وما لا يندرج ، والذي يحدده لنا الآن أي عابر سبيل ممن يسمون “خبراء استراتيجيون”!، أو يرهبنا به أي مسؤول يخشى المحاسبة، هذا التحديد هو حق للشعب فقط ـ ممثلا في نوابه ـ وهو من يضع ضوابطه ويقصره على ما يمثل تهديدًا حقيقيًا للأمة أو يفشي أسرارًا عسكرية تضر بها فعلاً ، ولا يحق لجهة أو هيئة أن تحدده من نفسها، فهو يتخذ أحيانا وسيلة ناجحة وفاعلة لإخفاء الأخطاء بل والجرائم !! .. لك أن تخيل مثلاً أن تفاصيل ماحدث في حربي ٦٧ و٧٣ لايزال حتى الآن أمن قومي ليس من حقنا معرفته ومحاسبة المسؤول عنه !! تفزع الأنظمة الشمولية من اختلاف الأراء وتعددها !، فهي تريد الشعب كله كقوالب الطوب نفس الشكل والطول والعرض واللون لا تمايز بينهم ولا إختلاف ! ، كأنهم عرائس البولينج ! ، أو قطيع الخراف تشبه بعضها وتسعى خلف الراعي هادئة مطمئنة ، بلا عقل تساق دون أن تسأل كيف ولا إلى أين ؟! ليس لها من حقوق إلا حق العلف ! بينما لا تحيا الدول الديموقراطية وتتقدم ، إلا باختلاف الأراء وتعددها وتنوعها ، فالإنسان لا يكون إنسانا إلا بحرية الفكر وإعمال العقل والقدرة على اختيار المواقف بحرية وإستقلال والتمييز بينها ، قارن مثلا ثورة الشباب الأمريكي ضد حرب فيتنام ودوره في إنهائها بعد الضغط العنيف على قياداته، وما حدث في حرب الثمان سنوات بين العراق وإيران التي سيق إليها الجيش/الشعب العراقي ليقتل منه الآلاف وتستنزف ثروته في حرب ينهيها أيضا صدام منفردًا كما بدأها منفردًا بصلح أقرب للاستسلام ! ، وتضيع كل هذه الأرواح والخسائر هباء ولا يجرؤ أحد أن يسأل القائد الملهم كيف ولماذا ؟!! ويترتب على هذا أن يبدأ القائد فورًا في مغامرة جديدة في الكويت تكون نتيجتها مزيد من دماء العراقيين وثرواتهم المهدرة وخراب بلادهم بلا طائل !!. نعم ليس تعدد الأراء وإختلافها فوضى ولا تشتيت مادمنا نتفق جميعًا على الهدف الأسمى وهو مصلحة البلاد ونسعى إليه، مدام لا يجرؤ أحد أن يخون أحدا لمجرد إختلافه في الرأي ، وإنما يصنع الفوضى شيوع التخوين والتشكيك في نوايا بعضنا البعض وإخلاص كل منا للبلد، وهذا المناخ هو ما تشيعه النظم الديكتاتورية حتى لا يحاسبها الشعب ، فالديكتاتور يرى أنه وحده الذي يعرف ويفهم ويقدر وما على الشعب إلا السمع والطاعة دون إعتراض أو مساءلة حتى لو كانت نتيجة أفعاله كوارث متلاحقة، وهنا يثور السؤال الأبدي وماذا عن الشعب الجاهل المغيب وعيَه وهل هو كفؤ لممارسة الديموقراطية وحرية الرأي والاختيار ؟! ،أو كما قال عمر سليمان :باااط هوين ؟!! .. وهذا ما سنجيب عنه في المقال القادم.

Advertisements
This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

2 Responses to في كراهية الاصطفاف .. العسكري !1

  1. Khaled Soror says:

    Indeed. I fully agree with you. The idea of “following” one view, one voice and one man leads to disasters. In saying that, I also believe Egyptians invented a very efficient dictator making machine.
    Regardless of who is in power, this evil machine (or system) works faster than all of us to regenerate a dictatorship system. We “Egyptians” tends to support that machine in many ways. Either be taking sides and turning to fanatics supporting our views, or, by failing to produce a constructive outcome out of different views. We tend to see and react with serious issues the same way we follow football. Our team is the best and the others are evil.
    I was extremely disgusted by the vicious media attach on Khaled Abo El Naga just because he dared to express a different view. Same time, I am disgusted by some “activists” and the media naming “Rafah” buffer zone ” تهجير” . Aside of its misuse grammatically, it meant to trigger bad emotions regarding the decision.
    Since those “activists” do not support the existing authorities, its their duties to degrade and criticize any act regardless.
    Finally, I believe democracy will start to take shape in Egypt only when people stop turning to spectators and supporting their “favorite team”.
    Once MB members realize they were acing like sheep and when “activists” see good decisions made by whoever they are against and when the general public support the “right” idea regardless, then we may hope for democracy.

  2. Pingback: RT @memam8: @waelabdelfattah في كراهية الاصطفاف العسكري ! صفونا ..صفًا.. صفًا الأجهر صوتًا والأطول وضعوه في الصف الأول - ارشيف تويتر

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s