للثورة وجوه أخرى

للثورة وجوه أخرى

لا تتحرك الثورات في خط مستقيم أبدًا ، بل هي موجات تعلو حتى تحسب أنها بلغت بك القمة ، وأن كل رغباتها مجابة ومطالبها أوامر ، ثم تنحسر شيئًا فشيئًا حتى توقن أنه القاع وأنها إنهزمت أمام جبروت أعدائها إنهزامًا لا قيام لها منه ، فكل من ينتمي لها يقتل أو يسجن ، ويشوهها الإعلام ويصور أن غالبية الشعب تراها نكسة  أو مؤامرة وإنتهت وقانا الله شرها، وحين يوقن الجميع أنه ماتت وآن الآوان لدفنها فإذا بها تنتفض إنتفاضة أقوى من الأولى وتكسب كل أرض خسرتها وتزيد عليها أراض جديدة ومكاسب أخرى وهكذا ، لا تزال تتردد بين النصر والهزيمة وبين القمة والقاع ، لكنها لا تعود أبدًا إلى نقطة البداية ، بل ترتفع في كل موجة إلى مستوى جديد، يتعلم فيه الشعب شيئًا عن حقوقه عن السياسة ، عن نفسه وعن إدارة حياته كيف يريدها وماذا يقبل وما لا يجوز له أن يقبل ، عن  طوائفه المختلفة شركاء الوطن وكيف نتآلف وماهي حدود كل منا، وهكذا حين تبدأ لا تستقر ولا تهدأ حتى يوضع الأساس لبناء دولة جديدة ، حينها فقط تهدأ الموجات الثورية ويبدأ الشعب في التعبير عما يريد ويصل إليه بالسياسة.

لاشك أننا الآن في موجة إنحسار  بعد موجة عارمة سريعة أطاحت بالإخوان وحكمهم ، في وقت ظن فيه الجميع أنهم تمكنوا ولن يزحزهم شئ قبل سنوات طوال ، لكننا بعد إزاحتهم التي لعب فيها الجيش دوره الطبيعي في حماية الشعب من الإقتتال ومنع الحرب الأهلية ، ومنع عصابة من إختطاف حكم البلاد رغما عن إرادة الشعب وأرغامه بالسلاح، وبعد عام كامل من التشويه الممنهج والمتعمد للثورة ولكل من شارك فيها إذا بنا نفاجأ بسعي الجيش وقائده للسيطرة على السلطة مرة آخرى، وهو سعي صريح لا يحاول التجمل  أعلنه السيسي بالبدلة العسكرية ـ رغم استقالته!ـ  في تلفزيون الدولة ،وتعلنه حملته وتصريحاته وإعلامه حتى تظن أن الجيش بنفسه مرشح في الانتخابات ، فرجاله يديرون الحملة الانتخابية وقاعات الجيش تستقبل مؤتمراته ولقاءاته..إلخ ، والثورة تستشعر الهزيمة والمرارة وتتفرج أو قل من لم يسجن منهم بعد!.

من من الشعب يؤيد السيسي؟!

أولاً:- رجال مبارك في مختلف الأحياء، والمدن والقرى هم من يرفعون صوره، ويرقصون في الشوارع وفي الإعلام وينظمون المؤتمرات الشعبية لدعمه،هؤلاء الذين إختفوا بعد الثورة خوفًا من الحساب، عادوا الآن لتصدر المشهد بقوة، السادة رجال الأعمال  والإعلام وأعضاء مجلسي الشعب والشورى والمجالس المحلية ، الصف الأول من الحزب الوطني، والصف الثاني من المرشحين على مبادئ الحزب الوطني.

ثانيًا:- مصريون عاديون لكنهم  يخشون الإخوان حتى الموت، ويظنون أنه الوحيد الذي يضمن القضاء عليهم، منهم فنانين وللأسف مثقفين ونخبة ، يجهلون أن النظام العسكري الديكتاتوري هو الضمان الأكيد لعودة الإخوان مرة أخرى ، بأنفسهم بعد التصالح معهم! أو في صورة سلفيين أو حزب النور.

ثالثًا :- المخدوعون في وعود السيسي ، وهم كثر !، الذين تعبوا من الفوضى وضيق العيش وتدهور الأحوال ويظنون أن الرجل بقبضته الحديدية وبشخطته المرعبة سيجأر فإذا الصورة تنتظم وتستقر!، وإذا المرور ينضبط وإذا البلطجة تختفي وإذا الزهور تتفتح!.

الأولة آه

لم يعد السيسي بمحاربة الفساد ولا محاسبته ولا ذكره أصلا!، ولذا هم مطمئنون، فهم متغلغلون في كل مفاصل الدولة ، وبينهم وبين المؤسسات السيادية تاريخ من التحالفات والتربيطات، وماض من دمنا تقاسموه منذ موقعة الجمل ،حقيقة أن السيسي قال أنه لا يحمل في رقبته دين لأحد، وحقيقي إنهم يصرفون ببذخ ، لكن من قال أنهم ينتظرون منه أكثر من التغاضي عما ماضى وإستمرار الأحوال في طريقها الذي تسير به ،هم يعرفون كيف وممن يستردون ما دفعوا ، ألم يقل إن ملف الشهداء صفحة لابد وأن تطوى بالتراضي! ، “مرزوق أفندي أدي له حاجة ! ..غزل البنات” ، وبعد التسامح في الدم ماذا يخشون ؟!.

والثانية آه

حزب النور أعلن دعمه للسيسي بدون شروط ولا وعود، بل وألفوا له أغنية لدعمه، من يحرمون الغناء والضحك والتنفس!، والسيسي رد التحية وقال “إنهم وطنيون يحبون مصر ويخشون على مصلحة البلاد”!، رغم أن الدستور يمنع قيام الأحزاب على أساس ديني!، رغم أن أحدًا لم يسألهم من أين تمولون؟! وأين ذهبت ملايين الدولارت التي قيل أن الخليج دعمكم بها في الانتخابات!، رغم أنهم لم يعدوا حتى بإحترام السلام الوطني .. والعلم!.

والثالثة آآآآه

هؤلاء هم من يحتار فيهم العقل والفؤاد ، من تصفعهم ليفيقوا فينزل الكف عل خدك !، لا تعرف هل تبكي منهم أم تبكي عليهم !، الرجل لم يعد بشئ ، سوى العمل والتقشف والضنى .. لكم وليس لأهل الحكم !،برنامجه بإختصار “سلموني عرش مصر دون قيد أو شرط ..واللي فيه الخير يقدمه ربنا! .. هتبقى قد الدنيا!”

والسؤال إذا كان هؤلاء هم الأغلبية من شعب مصر .. فكيف سقط مبارك إذا ولماذا ؟!

لا تصدقوا الإعلام الموجه بأن الغالبية تؤيده وتريده ، أليس هذا بالضبط ما كان يقوله إعلام مبارك على مدى ٣٠ عامًا؟!، وفوجئ الجميع في ٢٨ يناير حتى من إشترك ؟!، أليس هذا تحديدًا ما كان يقوله الإخوان وحلفاؤهم الإسلاميين وتحالف معهم المجلس العسكري خوفًا من غضبتهم وغضب الشارع لهم؟! الشعب يريد مصر إسلامية ويريدنا لتطبيق شرع الله؟!، الغالبية أغلب الظن تتفرج على السيرك وتنتظر.

 يقولون أن ٦٠-٧٠ ٪  من الشعب هم من الشباب وأغلبهم كما يعترف السيسي نفسه لا يريدوه ، ولكنهم يائسون يصدقون وهم أن الشعب يريده ، أو أن الانتخابات ستزور ، أو أن حمدين صباحي لا يمثلنا !.

أما أن الانتخابات ستزور فلا أظن ، أولاً لإشتراك الإتحاد الأوربي في الإشراف عليها ، ثانيًا لثقتهم الهائلة في نجاحهم بعد نجاح الإعلام في إقناع الشعب بنجاحهم بإكتساح ، وإعتمادهم على شحن  الأطراف الثلاثة السابقة بقوة ومقاطعة الرافضين، ثالثا لأنهم يريدون أن يظهروا للخارج والداخل أنها إرادة شعب وليس إنقلاب ، وفي النهاية ماذا ستخسر لو انتخبت حتى وزورت؟! ، “المشاركة في المسرحية؟! “ولماذا لا نقلبها نحن لمعركة حقيقية ؟! وهل تظن أن الإعلام لن يطبل ويزمر ويعلن عن إقبال لا مثيل له وأرقام حضور خرافية ، في كل الأحوال سواء ذهبت أنت أم قاطعت؟! ،لكنك تخسر كثيرًا لو لم تزور ، أو زورت ولم تساهم في فضحهم عمليا.

 أما أن حمدين لا يمثل المرشح المثالي للكثيرين فهذا حق ،ولكننا الآن لا نملك ترف اختيار المرشح المثالي ، ونحن نواجه ديكتاتورية عسكرية صريحة لا تخطئها العين، ولا تحاول أن تتجمل ولا تقبل نقاشًا وتعلن بوضوح أنها ستغلق الطريق أمام أي احتمالات للديموقراطية والتغيير ، وهو ما أثق أن حمدين لن يفعله ولن يستطيع إن أراد، فهو لو نجح سيكون معتمدًا تمامًا على كل من ينتمي للثورة ليسنده ، وفارق كبير بينه وبين من تسنده الدولة العميقة ورجال مبارك ، أو حتى مرسي الذي كانت تسنده جماعته وحلفاؤهم.

نعم الثورة مستمرة ، والانتخابات ومعركتها جزء من هذا الاستمرار ، وهذه المعركة ستضيف للثورة لو خضناها، تنظيمًا وتوحيدًا للصف وتدريبًا عمليًا على انتخابات مجلس النواب ، وهي إعلان للجميع بأن الثورة موجودة ومستمرة لم ولن تستسلم.

الوصول للشعب المخدوع وتوعيته ، والعمل على إفساد التشويه الإعلامي المضلل ، عمل ثوري بالدرجة الأولى ، أن ما يتعرض له الشعب من كم هائل من الحملات المدروسة يختبئ وراءها أجهزة محترفة في تزوير الوعي وتزييفه، كم تنوء به الجبال، ويجعل على الثوار المسؤلية الأولى في إفساد هذه الحملات وهذا التضليل ، بتفهم مخاوف الناس وإلتماس العذر لهم في الخوف الشديد من الإرهاب والفوضى واليأس من إصلاح الأحوال ، وهي الأدوات الأساسية لهذه الأجهزة.

الثورة وسيلة للتغيير وليست غاية ، وعلينا أن نطرق كل طريق ممكن للتغيير ، فالانتخابات فرصة هائلة من الفرص القليلة للتجمع وللتحرك لنشر الوعي والوصول للشارع ، فإذا لم ينجح حمدين فستنجح أنت في ضم المزيد لصفوف الثورة وفي كل الأحوال سيظل الميدان موجودًا والثورة مستمرة.

Advertisements
This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s