هل تحتمل مصر ديكتاتورا جديدا !؟

تحدثت في المقال السابق ” أنقذوا مصر ولا تنتخبوا السيسي ” ، عن جانبين من جوانب حديثه الطويل ـ لإبراهيم عيسى ثم لقناة سكاي نيوز ـ هما الجانب الإقتصادي ، والأمن الجنائي،  في محاولة لإكتشاف كيف يفكر السيسي، ونكمل بتناول بعضًا من الجانب السياسي.

كان الأعجب من تجاهل السيسي العجيب للفساد.. هو تجاهله للديموقراطية!، التي لم ترد على لسانه ولا مرة في حديثين استمرا لأكثر من ستة ساعات!، وهذا يعكس دون شك موقعهما ـ أقصد الفساد والديموقراطية ـ من تفكيره وأولوياته، فالمرشح الرئاسي الذي يأتي بعد ثورتين هدفتا بالأساس للقضاء على الفساد وتطبيق الديموقراطية، لا تغيب القضيتان من حديثه صدفة ولا سهوًا!.

 يرى السيسي بوضوح وصراحة مذهلة أن المظاهرات هي فعل ضد مصلحة الوطن، ورغم إعترافه بأن التظاهر حق دستوري لكنه يؤكد مسرعًا ـ وكاذبًا ـ أن القانون ينظمها ولا يمنعها! ،وأن الداخلية لم تمنع أحدًا من هذا الحق!، والحق أن هذا تناقض واضح، فالحق الذي يترك للداخلية منعه أو السماح به هو ليس حقًا، ومشروع القانون القديم ـ الإخواني للمفارقة!ـ كان يعطي للمتظاهر الحق في التظاهر فعلاً ، وعلى الداخلية الإعتراض قضائيًا لو رفضت، المشكلة هنا أن هذا الحق، الراسخ في كل الديموقراطيات والضروري للممارسة الديموقراطية نفسها، لم يرسخ بعد للأسف في أذهان المصريين أنفسهم أنه حق لهم، فلا زالوا بعد ثورتين يشعروا إن تظاهروا أنهم يقومون بعمل ضد القانون!، ولذا غالبًا ما يشعرون أن الأمن بمجرد ظهوره جاء دون شك ليمنعهم!، أضف طبعًا إلى هذا ما فعله ويفعله الإخوان في تظاهراتهم من حمل للسلاح إلى تخريب  وإعتداءات على المواطنين، وكأنهم يتعمدون تشويه التظاهر وحرمان المصريين من إستخدام حقهم في التعبير بإساءة استخدام هذا الحق!، وضع هذا مع ما فعله المجلس العسكري وبعده مرسي في فترة حكمهما من تشويه للتظاهر والمتظاهرين ، وإستخدامهما لسلاح “المواطنين الشرفاء” لتحويل أي مظاهرة سلمية إلى إشتباكات وربما قتال شوارع، ضع هذا كله معا ينتج لك في النهاية صورة مشوهة بائسة عند المواطن البسيط عن هذا الحق تجعله يفهمه أنه ليس إلا حق للفوضى والبلطجة لا للتظاهر وللتعبير السلمي عن الرأي، فينحاز فورًا لجانب السلطة في رفضه ، ولا يلفت نظره أن السلطة استخدمت القانون ـ ليس مع الإخوان كما إدعت فهم لا يحتاجون للاستئذان كي يتظاهروا ولا أحد ينتظر منهم ذلك،بل استخدمته لتضرب به مثلاً مظاهرة مجلس الشورى النموذجية، التي كانت سلمية تمامًا ولم تخرق أي قانون أو تعتدي على أحد، فقط عبروا عن رأيهم وموقفهم، ومع هذا تعاملت معهم الداخلية بشراسة وعنف شديدين ، ولم تحترم هي نفسها نصوص القانون الذي تدعي أنها تحميه!

يدافع السيسي عن هذا القانون بشراسة وحدة، حتى أنه يستخدم ألفاظًا عنيفة “احنا مش هنهزر”!، إنتو عايزين تاكلوا مصر؟! فيجيب عيسى لكن الفقراء يشعرون أن الأغنياء هم من يأكلوها فيبجيب بنفس الحدة “مفيش الكلام ده!، أنا ماعنديش أدي لك “!، ومدام معنديش وإنت نازل تتظاهر يبقى عايز تخرب البد بقى ..عايز توقعها “! ،يتضح هنا بجلاء بعدًا  هامًا من أبعاد تفكيره وإنحيازاته ،فهو يرى أن على الفقير أن يصبر ويتحمل ويتقشف دون حتى أن يرى أهل السلطة يفعلون! ، ودون أن يرى ـ بعد ثورتين ـ أي نية لمحاربة الفساد الذي لايزال مستمرًا وبقوة!

يتحدث السيسي عن القانون وهيبته وإحترامه، ويتجاهل أن القانون يجب أن يكون عادلًا، صادرًا عن ممثلين للشعب في مجلسه ليحقق مصلحة الغالبية، وهذا طبعا مالم يحدث ليس في هذا القانون فقط بل في سلسلة من القوانين ، يقال أنها بلغت ٤٥ قانونًا!، أصدرها الرئيس القاضي الذي تعهد بعدم إصدار القوانين إلا الحتمي منها!، منها مثلاً القانون الذي يحرم المواطن من حقه الطبيعي في أن يقاضي الحكومة إذا إستشعر فسادًا في عقد بيع شركة أو مؤسسة من القطاع العام للقطاع الخاص، بإختصار قانون يصلح خطأ مبارك الذي باع القطاع العام بيعًا فاحشًا في فساده لكنه لم يحصن عمليات البيع بمثل هذا القانون!.

يتحدث السيسي عن القانون وهيبته وإحترامه، وينسى أو يتجاهل أن  هيبة المواطن  وإحترامه وإحترام كرامته بعد ثورتين أولى!، وأن السلطة التي لا تحترم القانون ولا المواطن وتنتهكهما معًا في كل مناسبة، فتستخدم الرصاص الحي في فض المظاهرات، وتنتهك حقوق المعتقلين والمسجونين ، دون مساءلة ولا تحقيق واضح شفاف، ويتحول إعلامها لساحة للردح وتصفية الحسابات مع ثورة يناير وكل من ينتمي لها ويكيل الإتهامات لهم جزافًا دون سند أو دليل ، ثم يتجاهل نائبها العام المحاضر التي يتقدم بها من شوههم الإعلام وطعن في وطنيتهم وشرفهم ، والمرشح الذي ينسى أن يخبرنا كيف سيجبر سلطته على إحترام القانون وعلى إحترام المواطن وحقوقه وكرامته، بعد أن رأيناه يتجاهل ممارساتها وهو في السلطة نائبًا لرئيس الوزراء ووزير الدفاع والمسؤول الأول عن الملف الأمني، والحق أنه المحرك الأول للأحداث في مصر  من ٣٠/٦ مهما أنكر  هو ومناصروه، إن السلطة التي تضرب للمواطنين مثلاً يحتذى في عدم إحترام القانون لايجب أن تنتظر منهم إلا الرقص على  دفوفها!.

عندما واجهته المذيعة بأن المظاهرات كانت هي السبب الأساسي لعزل مبارك ومن بعده مرسي أي أن المظاهرات ـ للمفارقة ـ هي التي وضعتك الآن في موقع المرشح للرئاسة، أجاب نعم ولكن لم تكن هناك في الدستور آليات لتغيير الرئيس ولدينا هذه الآليات الآن بعد تعديل الدستور، فسألته وما هي هذه الآليات؟ ، فأسقط في يده!، وتبين لكل ذي عينين أن المرشح الجديد الواثق القوي يجهل دستور بلده!، وكنت أتمنى أن تسأله هل كان وجود هذه الآليات في دستور ٧١ ، أو دستور مرسي يكفي لإسقاط أي منهما ويغنينا عن التظاهر والإعتصام؟!.

يقول إبراهيم عيسى لا فض فوه : إن السيسي لن يستطيع أن يصبح ديكتاتورًا  ولو أراد! .. كيف؟ ..تأتي الإجابة واثقة تتهادى “الدستور يمنعه ” !! .. فعلاً؟!.. الدستور يا عم إبراهيم ورق لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضررًا، وما لم يؤمن به الشعب ويدافع عنه بحياته، فلن يمنع مانع أي ديكتاتور من التلاعب به كما يشاء!، هذا ما فعله عبد الناصر عندما ألغى تمامًا دستور ٢٣ بعد أن رفع ضمن مبادئ ثورة يوليو “إقامة حياة ديموقراطية سليمة”!، وألقى بعدها بدستور ٥٤ في سلة المهملات وأصبح الدستور هو ما يراه الزعيم!، ومافعله السادات أيضا الذي شكل “هو” لجنة لوضع دستور ٧١ ثم عدل وبدل فيه ما شاء بعد أن إنتهت لجنة الدستور من كتابته!، ولم يكتف بهذا بل عاد مرة أخرى ليغير فيه نص عدد مرات ترشح الرئيس للحكم لتصبح مددًا أخرى بدلًا من مدة أخرى!، وهذا ما فعله مبارك ـ الذي حكم بفضل تعديل السادات ٣٠ عاماً! ـ بنفس الدستور في ٢٠٠٧، ليعدل فيه بحيث يجعله على مقاس ولده النابغة جمال ليحكم من بعده!، وهذا تحديدًا ما فعله مرسي  بإلغائه الإعلان الدستوري وإستبداله بإعلانه الخاص!، بل إن القانونين الذين تحدثت عنهما ” قانون التظاهر وتحصين العقود” طعن فيهما بعدم الدستورية، ولم تستجب بعد محكمة واحدة وتعرضهما على المحكمة الدستورية!

حكم السادات وبعده مبارك ثم مرسي بمجلسين للشعب والشورى، فهل كانت تجدي معهم طريقة دستورية لعزلهم؟! وهل تظن قانونًا للتظاهر حتى لو عاقب بالسجن، سيمنع الشعب حين يريد أن يعزل ديكتاتورًا جديدًا .. ويبقى السؤال هل تحتمل مصر ديكتاتورًا جديدًا ؟!.

Advertisements
This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s