الحكم العسكري ..من عبد الناصر إلى السيسي

الحكم العسكري تعريفه أنه الحكم الذي يستند إلى القوة المسلحة (الجيش والشرطة) لإستمراره وليس لإرادة الشعب واختياره، ولا يظهر هذا الوجه الغاشم والصريح للقوة ـ قوة الجيش المختفية عادة ـ إلى العلن إلا في وقت الأزمات الطاحنة ، فهو يعتمد في الأوقات العادية على الشرطة التي تكفيه قمع شعبه إذا غضب وتحرص على قمع أي إعتراض في بداياته.

ربما يصل الحاكم العسكري إلى الحكم عبر إنقلاب عسكري كما فعل عبد الناصر، وقد يكتسب شعبية كاسحة كما حدث له فعلا،لكنه لا يعتمد أبدا على دعم الشعب واختياره في انتخابات نزيهة لماذا؟! ، لأنه يدرك تماما أن هذه الشعبية مرهونة بأدائه في الحكم وستتغير حتما إذا فسد أو أفسد ، لهذا لم يقم عبد الناصر أبدا ولا مرة واحدة انتخابات حرة ولا حياة ديموقراطية سليمة ـ أحد أهداف ثورة يوليو المعلنة ـ ولم يسمح للشعب أبدا بالتعبير عن رأيه، فووجهت مظاهرات ٥٤ المطالبة بالديموقراطية بقمع عنيف من الجيش ، تماما كما فعل في مظاهرات ٦٨ التي كانت إحتجاجا واعيا على المحاكمات الصورية التي أدين فيها صدقي محمود قائد الطيران والغول قائد الدفاع الجوي ككبشي فداء وحملا مسؤولية الهزيمة ،وطالب المتظاهرون بالتحقيق الجاد في هزيمة ٦٧ وكشف المسؤولين الحقيقيين ومحاسبتهم  وهتفوا: ولا صدقي ولا الغول عبد الناصر هو المسؤول

ليس الفيصل هنا هو طريقة الوصول للحكم فالسادات ومن بعده مبارك وصلا للحكم بطريقة مختلفة ، لكنهما ” استمرا في الحكم ” بنفس الطريقة، راجع كيف واجه السادات مظاهرات ٧٢ و٧٧ التي ظهر فيها الجيش بعد غياب طويل عن الساحة السياسية العلنية ليرغم الشعب على التراجع ويضمن استمرار الرئيس! ، وهذا هو الفيصل ، فحتى لو وصل السيسي للحكم بانتخابات ،لن يستطيع منصف أن يصفها بأنها حرة ونزيهة ، لكن المؤكد أنه سيستمر بنفس الطريقة ، أي أنه سيغلق المجال ـ بمجرد وصوله ـ على أي أمل في إزاحته عن الحكم بطريقة ديموقراطية ، سيرفع السلم بعده تماما  كما فعل الإخوان ، فكلاهما الحكم العسكري والديني لا يؤمن حقا بالديموقراطية ، لأنه لا يحترم الشعب أصلاولا يثق فيه وفي اختياراته بل يعتبر نفسه وصيا على الشعب القاصر الذي لا يعرف مصلحته والذي إذا ترك له الاختيار “هيعك” الدنيا ويختار أسوء مرشح ممكن !! ، فـ “الشعب لا يعرف ما أعرفه” .. كما قال مرسي ! ، أو “إنتي مش فاكرة إن أنا خايف الشباب يوقع مصر وهو مش قاصد” .. كما قال السيسي !١

سيرد عليك البعض أن الشعب جاهل في معظمه ولا يحسن الاختيار ـ بدليل اختيار مرسي مثلا ـ  ، وأنه من الأفضل أن يترك قياده لرئيس زعيم يعرف مصلحته ويقوده في طريق النهضة.!١

وللرد على هذا الرأي الشائع للأسف دعنا نستعرض ملمح واحد للحكم العسكري ربما يجيب بنفسه :ـ

الملمح الأول عدم الثقة

الحاكم العسكري لا يثق في أحد ، وهذا غالبا بسبب إحساسه بعدم جدارته بالحكم وأنه إستولى عليه في غفلة من الزمن تجده دائما يشعر بالتهديد ، وبأن أي معارض هو طامع في الحكم لا يبتغي صالح الوطن ، هو إما مغرض موتور، أو عميل من قوي أجنبية وأعداء يعملون على هدم الوطن ، فكيف تظهر معارضة سياسية في مثل هذا الجو الكئيب ، وأنت مهدد بالتخوين والعمالة لمجرد أنك لا ترى قيادة الزعيم للوطن في الطريق الصحيح

يترتب على هذا فورا تكميم الأفواه ، وإختفاء المعارضة الحقيقية إما في السجون أو تحت الأرض أو إلتزامهم بيوتهم إيثارا للسلامة ، فلا رأي حر ولا صحيفة ولا إعلام غير إعلام الرئيس ، الذي يجأر بكل بجاحة وأين البديل ولا يوجد في مصر رجالا إلا الزعيم ، راجع من ناصر ٦٧ بعد الهزيمة المخزية والشعب لا يجد بديلا للزعيم صاحب الهزيمة ليقود البلد !، إلى مبارك ٣٠ سنة من الموت الكئيب في اللافعل بزعم الإستقرار!، إلى السيسي وانتخاباته التي لا ترى فيها منافسة حقيقية !!

هل فهمتم الآن لماذا لا تظهر قيادات حقيقية وزعامات شعبية توفر بدائل للحاكم العسكري الفرد ؟! ، لأنه لن يسمح بهذا أبدا ، لأن كل من يخرج رأسه سيقطعها فورا ، كل من يغرد خارج السرب يتهم بالعمالة والخيانة ، وهذا ما حدث ويحدث مع الرجل الذي مثل ظهوره تهديدا حقيقيا وفاعلا لهذه المقولة في عهد مبارك ، أعني طبعا الدكتور محمد البرادعي، الذي أظهر أن مصر لا ينضب بها الرجال ، رغم إغلاق المجال لهذا الظهور داخليا ، ولذا  كان الطبيعي أن ينضج البرادعي في الخارج

فالسياسة بطبيعتها ممارسة شعبية علنية ،إذا لم تسمح بأحزاب حقيقية تنافس وتعارض بشراسة وتنجح وتتولى الحكم ، فكيف تتوقع ظهور زعماء أو حتى قيادات حقيقية ؟!!

 ولأن الحكم العسكري لا يستطيع أن يستمر طويلا بالإستنفار الدائم والمواجهة العلنية المستمرة مع أي معارضة ، تبنى السادات شكلا مختلفا عن عبد الناصر في الحكم ، رغم أن الجوهر الذي يظهر في الطوارى واحد طبعا ! ، فوجود أحزاب معارضة تضفي “شكلا ” يخفف من حدة الحكم الفردي ، ويجعل مظهره أكثر مرونا وأقل حدة ، ويسحب بعضا من الغليان الشعبي المكتوم ، مع الحرص الشديد على أن تظل مع هذا ديكورا فقط ، يمكن الإستغناء عنه وهدمه بجرة قلم كما فعل السادات فعلا بقرارت سبتمبر٨١ التي سجن بها المعارضة الهزيلة كلها في ساعة واحدة، قارن هذا بما يفعله السيسي الآن من قوانين تهدف أساسا لتحجيم والسيطرة على المعارضة وإعادة “الديكور” الديموقراطي إلى المسرح بمعونة أحزاب الديكور القديمة الوفد والتجمع !١

يبدأ مبدأ عدم الثقة بالجيش طبعا الذي يخشى الزعيم إنقلاباته العسكرية التي جاء هو بإحداها ! ، فبعد إنتفاضة سلاح المدفعية ٥٣ ، وبعده المدرعات ٥٤ (الفرسان كما كان يسمى وقتها ) ضد عبد الناصر نفسه وقراراته وهي الإنتفاضات التي ووجهت بعنف ، سلم عبد الناصر قيادة الجيش لصديقه الوفي الذي كان يثق به عبد الحكيم عامر فقط لأنه يضمن عدم إنقلاب الجيش عليه  ، ورغم تأكد عبد الناصر من ضعف قدرات عامر العسكرية والقيادية معا في ٥٦ إلا أن استمراره على رأس الجيش كان حتميا لبقاء عبد الناصر نفسه في الحكم حتى لو أدى هذا لكوارث كفضيحة هزيمة ٦٧ ، فعبد الناصر كان يعلم تماما أن عبد الحكيم عامر يختار قيادات الجيش تبعا لنفس المبدأ الولاء أولا  ، الذي حول الجيش إلى عزبة يقودها أشخاص لا يملكون أي مؤهلات عسكرية ولا قيادية سوى ثقة عامر فيهم وإخلاصهم له ! ، راجع مذكرات البغدادي ، خالدمحيي الدين مثلا

تبدأ هذه القاعدة (مبدأ الولاء ) بالتطبيق على قيادات الجيش ولا تنتهي إلا بأن تسود كل مناصب الدولة ، من القضاء ، للداخلية طبعا ، للمخابرات ، للإعلام ، للتعليم ،..، وهكذا تصبح القاعدة الأساسية التي على أساسها تترقى قيادات البلد في كل المجالات هي الولاء للزعيم والأولوية طبعا للأقارب والأصدقاء والمحاسيب ، وهكذا تنعدم الكفاءة في كل المناصب العليا وتتدرج تلقائيا نزولا طبعا لباقي المناصب ، لاحظ أن فرص ظهور الكفاءات تنعدم أساسا بسبب إهمال الحاكم العسكري للتعليم وإزدراءه للعلم والعلماء ، لاحظ أيضا سيطرة رجال الجيش على مناصب الدولة من مثلاالمحافظين لرؤساء الأحياء لمجالس إدارات شركات ومصانع القطاع العام لوزارة الخارجية من السفراء للملحقين !!، لكنه لا يكتفي بهذا بل تحارب الكفاءة والمواهب وتطارد وتقتل أي فرص لظهورهم حتى لا يصبح لهم أمل إلا في الهجرة ( من مجدي يعقوب وفاروق الباز إلى عصام حجي مثلا ) أو تموت في الداخل يأسا وكمدا وإحباطا كما حدث لجمال حمدان ونجيب سرور و..وإلخ ، تموت مواهب مصر وعقولها أو تهاجر فداء للزعيم وثمنا لبقائه في الحكم .. ولاعزاء لمصر !

Advertisements
This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s