روحٌ غريبٌ ..في الميدان

أخيراً وجدتها !!..هل تذكر فيلم المومياء؟ ..هل تذكر كيف كانت الإضاءة في مشاهد هذا الفيلم ؟ ـ يقال إن شادي عبدالسلام مخرجه كان يرسم المشاهد لوحات ويطلب من عبد العزيز فهمي مدير الإضاءة تنفيذها ..بنفس درجات اللون في اللوحة ..هل تذكر هذه اللوحات/ المشاهد ؟ ـ .. تخيل أنك تشاهده في السنيما ..ثم تتسلل في ظلام القاعة الدامس لتقفز إلى داخل شاشة العرض فتخرج من دار إلى دار وتتحول فجأة إلى جزء من المشهد المبهر

ليست فقط الإضاءة ، ولا الجو ، بل معهما وقبلهما الروح ، هذه اللوحة هي أقرب ما أستطعته ، من محاولات لوصف جو التحرير فيأيام الإعتصام ال١٨ ، لم تكن كل أيام الإعتصام كذلك ، ففي المليونيات تحديدا كنت أشعر بإضاءة دار العرض للإستراحة !! ، أما في أيام الشدة والتوتر فيخيم هذا الجو السحري على الميدان ،، جو أقرب ما يكون للوحات فيلم المومياء ، تشعر فيه بسلام وهدوء كامل وصفاء يشتد هذا الشعور كلما زاد الضرب وتساقط الشهداء والجرحى !!؟ ،

الكثيرون ـ خارج الميدان ـ شعروا بالرعب والقلق عي من في الميدان ، أما من في الميدان أنفسهم ، فكانت تسيطر عليهم هذه الحالة من السكينة والسمو غير المفهومين  ، كأنهم في حالة وسط بين إنتقال الروح للسماء وبقاءها على الأرض ، حالة لا  يصبح الموت فيها مرعبا ومفزعا كما عهدناه

الحياة خارج الميدان كما هي بلا زيادة ولا نقصان ، لكنها العتبة تخطوها من أطراف الميدان إلى داخله فيتبدل كل شئ فجأة ، الناس غير الناس ، وجوههم باسمة وأعينهم تحضنك وتربت عليك دون أن تعرفك أو تنتظر منك ردا ، كأنهم شخوص من روايات نجيب محفوظ، كأن أرواح الشهداء تشكل على الميدان خيمة تظلل فقط  أهل الميدان وتنفث فيهم سكينة وسمو.. أو كما يقول نجيب محفوظ حالة صفاء نورانية

قرأت مقال عمر طاهر شاهدت هؤلاء في ميدان التحرير وعجبت كيف لم ير نجيب محفوظ ؟، وخيمة يوسف إدريس ، وخناقات طه حسين والعقاد مع توفيق الحكيم حتى يدفع ثمن الكشري ؟، أو تحسب أن مانعا يمنع نجيب سرور عن الحضور حتى الموت نفسه ..!؟ كل المحبين كانوا هناك ، بعضهم رأينا وأغلبهم غلبهم الخجل فإنزوى..

كدت أنسى هذه الروح التي إختفت بعد اليوم ال١٨ ، وعدنا كما كنا ، أناس طبيعيون ، بحثت عنها بلهفة في كل  تجمع بعدها إضراب أومظاهرة أو مليونية ، بحثت عن أسبابها وما يخلق هذه الحالة ، ليس العدد ولا نوعية المتظاهرين أو مطالبهم ، حتى عادت وبقوة في اليوم ال١٩ ،أقصد ١٩ نوفمبر ـ هل هي مجرد مصادفة !؟ـ وإستمرت بعدها وللعجب طيلة أيام مذبحة محمد محمود!!.. الدم إذا هو السبب ؟ الشهداء؟ القتل المجاني بلا ذنب ولا جريرة؟ ولكن هذا كله يحدث في بلادي طيلة الوقت ، تقتل الناس في غرق عبارة أو حريق قطار أو تحت صخرة..الخ تعددت الأسباب والحوادث والعلل  ،ولكن .. غاب عنها إرادة الفعل

سوريا .. أشعر بالذنب وانا أتمنى أن يتأخر رحيل السفاح بشار الأسد ، حتى لا يختفي هذا المشهد المبهر المبهج ، الألاف يتجمعون في رقصة جماعية وغناء وأهازيج رائعة .. تحت وقع الرصاص !!؟ شعوب نامت حتى ظن أنها ماتت ، ثم تنتفض بهذا الإبداع والتألق ، شعوب تنجلي وتظهر روعة معدنها النفيس فقط تحت النار .. تخرج الحياة في أجمل صورها وأبدعها وهي على وشك أن تغيب !؟

أخيرا فهمت ، أو أظنني فهمت ، إنه الحب كما قال نجيب محفوظ ، والحب طاقة تنفجر فتحول الإنسان البسيط الغلبان إلى شاعر مبدع أؤ رسام أو..، لكنه أيضا إرادة وفعل، هذه الطاقة المبدعة الهائلة ، عندما تتجمع في كثير ، طبقات شتى وأعمار شتى، لا يعرفون بعضهم بعضا ، لا يهم ،  يجمعهم عشق هذا المحبوب ، وترقى أرواحهم وتسمو حتى يصبح الفناء ـ عن إرادة وإختيار ـ  في سبيله هو قمة الحياة وأعلى غاياتها وأروعها ، فتندفع مع أرواحهم المزهقة طاقات الحب الهائلة هذه فيغلف المكان كله بغمامة وجد لا يعرفها إلا الصوفيون

Advertisements
This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

3 Responses to روحٌ غريبٌ ..في الميدان

  1. abnalbar says:

    شكرا لحالة الوجد التى انتابتك لتحكى عن التحرير و إن كنت أظنها مبكرة رغم قرابة العام ! نعم هى أرواح متألقة اجتمعت على هدف حركها حب كل القيم الجميلة التى طمستها سنوات (التحنيط) و العفن ، أعجبنى استحضارك أدباءنا العظام للمشهد ، نعم هى مصر كلها هنا ، هنا نتاج الأولياء و الأصفياء ودراويش المحروسة ، هنا موطن الإبهار و الإكبار ودليل الحياة !

  2. احمد العاصي says:

    ممكن اعمل حفظ للصورة دي ؟

  3. tarek says:

    رائعه يابوامام وجو سينمائي ساحر

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s