المجلس العسكري ..ومواطنيه الشرفاء

المشهد في عام ٢٠٠٥ في شهر مايو أمام نقابة الصحفيين ، كان هناك إتفاقاً على مظاهرة أمام نادي القضاة ، تضامناً مع القضاة أو إعتراضاً على تعديل الدستور لا أذكر ، ولا أذكر حتى ما ذهب بي مبكراً، الحركة قليلة في الشارع ، ثم ألمح تجمعاً على الناصية أمام نقابة المحامين فذهبت  مهرولاً ، يبدو أن بعض الثوار أيضا أتو مبكرين ،العدد كبير ولكنهم لا يهتفون !؟ ، ويقفون بطريقة غريبة ، كأنهم في طابور ، وللعجب يرتدون جميعاً مع ملابسهم المدنية ـ الواضحة التواضع ـ حذاءً عسكرياً !؟ ، كان هذا هو لقائي الأول بمن عرفت بعد ذلك أنهم “المواطنون الشرفاء” !١

لم أفهم لماذا يتنكر الأمن في زي مدني ، ولماذا ينضم لعساكر الأمن المتنكرين بلطجية محترفون ، وعندما إشتعلت المظاهرة وبدأت المواجهات،تفنن هؤلاء” الشرفاء” في سحل المتظاهرين في عرض الشارع وطوله . والتحرش الجنسي الفاجر بالمتظاهرات ، ولم يشفع أن منهن صحفيات وأساتذة جامعات ، كان الفجر في التعامل وعلانيته وتعمد الأذلال والإهانة من الأسباب الأساسية بكل تأكيد ، وأيضا التبرؤ أمام الغرب وإعلامه في الخارج ، وأيضا أمام الأغلبية الصامتة في الداخل، بأن هذا خلاف في الرأي بين “الشرفاء ” والمتظاهرين تطور وخرج عن الحد ..!! . تكرر اللقاء بعد هذا كثيراً ، وفي مظاهرة مبتكرة ويائسة ، وربما إبتكرها اليأس ، نظمتها حركة “كفاية”  أمام مسجد السيدة زينب لكنس السيدة  ـ بالمقشات !! ـ على نظام مبارك ، وقف “الشرفاء ” على الرصيف المقابل للجامع و يحملون صور مبارك ويهتفون له، ويشيرون للمتظاهرين ـ على الرصيف المقابل ـ بحركات بذيئة بالأصابع ، بل وبالنقود إتهاما لهم بالعمالة وتلقي تمويل من الخارج ، والحق أني بعد هذه الإشارة إفترشت الأرض من الضحك ، فنظرة سريعة لهيئة النشطاء ولبسهم ومقارنتها بالشرفاء ، توحي أن “الشرفاء” هم من يطلبون التمويل لا أنهم يعايرون به النشطاء..!!١

وتعدد ظهورهم بعد الثورة بداية من مظاهرات مصطفى محمود التي إشترك فيها معهم خليط من المستفيدين من نظام مبارك ورجاله، وبعض المخدوعين الذين غيبهم الإعلام الرسمي ، لكن التفرقة بين هؤلاء وبين المأجورين سهل ، فالمواطن المصري عموما لا يميل بطبعه للعنف ، ولذا عندما تحول المشهد للإشتباك العنيف عند ميدان عبد المنعم رياض إنسحبوا ولم يتبقى سوى البلطجية والأمن المتخفين في ملابس مدنية ..أعني المواطنون الشرفاء

كنت أظن ومعي كثيرين ، أن هذه الظاهرة ستختفي بعد تنحي مبارك ، أو بعد حل أمن الدولة ، المخترع الأصلي لهذا السلاح ، سلاح البلطجية والأمن بملابس مدنية ، المعروف رسمياً وإعلامياً “بالمواطنين الشرفاء “، والذي وظفه من قبل بكفاءة في مهام عديدة كالانتخابات مثلاً ، ولكن الغريب والمريب أن الظاهرة إستمرت ، والظهور الجديد بدأ في أحداث “منشية ناصر” ، عندما تظاهر الأقباط إحتجاجا على حادث كنيسة “أطفيح” ، وخرجوا لقطع طريق الأوتوستراد ، وقيل أن أهالي منطقة السيدة عائشة ” الشرفاء ” خرجوا للتصدي لهم ، ولم أفهم !؟ ، خاصة عندما تحول الأمر إلى إشتباكات عنيفة بالأسلحة النارية قتل فيها ١١ قبطياً بالرصاص ، وما يقرب من ١٠٠ مصاب وإحرقت العديد من البيوت ، حدث هذا كله في وجود الجيش ؟؟

عندي قاعدة ذهبية  لا أذكر أين سمعتها ، تقول: لا يُرفع سلاح في وجود الجيش إلا بمعرفته ومباركته وإلا فهي إهانة و هو عار لا يحتمل ، فكيف جرؤ أهالي السيدة عائشة الشرفاء على الخروج بأسلحتهم النارية بل وإستعمالها في وجود الجيش؟؟

انا لا أنفي هنا بل بالعكس أؤكد أن تحريضاً قد حدث بالفعل ، وأن هناك من كان ينشر الإشاعات في السيدة عائشة عن خروج الأقباط ونيتهم الهجوم على منطقتهم وتهديدها ..إلخ ، بل وأذيع هذا في الإعلام ، وأن البعض من المواطنين العاديين قد إستدرج  فعلاً  للخروج والمواجهة ، ولكني أشك كثيراً في إشتراك الأهالي البسطاء في العنف أو حمل سلاح ناري ، لكن وجودهم كان هو الغطاء المطلوب والكافي ” للمواطنين الشرفاء ” لينفذوا المهمة ، والسؤال الذي يبرز فورا هو من الذي نشر هذه الشائعات ولماذا؟، ولماذا لم يقبض عليه ويحقق معه ويكشف للرأي العام؟  إلا لو كانت فعلته هذه  لمصلحة من في السلطة ، ومن يريد التصدي لهذه المظاهرات بل وقمعها بالعنف دون أن يظهر في الصورة أنه هو الفاعل الأصلي !؟

تكرر الأمر بشكل أقل عنفاً في لاظوغلي ، حين حاصر الثوار مقر أمن الدولة وطالبوا بدخوله للتأكد من أن الجهاز قد تم حله ، وقيل وقتها أيضا أن أهالي عابدين ” الشرفاء ” قد تجمعوا لمهاجمة الثوار وإخراجهم من منطقتهم ، وتكرر نفس الكلام حتى إلتبس الأمر على الثوار أنفسهم ، وظنوا أن الأهالي ضجوا منهم ، وقد يكون هذا صحيحاً في بعض الحالات ، لكنه لا يصل أبدا إلى حد الإعتداء العنيف والقتل، وهو ما حدث فيما بعد في العباسية وماسبيرو.

 الآن أصبحت الصورة واضحة ، المجلس العسكري لايزال يستخدم سلاح  ” المواطنين الشرفاء ” ، أعني بلطجية الداخلية المدربين ومعهم رجال الأمن بالملابس المدنية لتنفيذ مهام محددة ، أهمها مهمة الردع والمواجهة العنيفة لفض الإعتصامات والمظاهرات، إضافة إلى مهام أخرى أيضا شديدة الخسة والوضاعة ، كالإندساس بين الثوار أنفسهم ، للتجسس عليهم، وربما محاولة الوقيعة بينهم ، وأيضا لمحاولة توجيههم في إتجاه محدد يخدم مصالح السلطة ، أما في المواجهات بالذات وحتى يوفر لهم الغطاء اللازم ، تُنشر الاشاعات ويحاول أن يستدرج أهالي المنطقة ، لا لكي يشتبكوا فهذه مهمة مواطنيه الشرفاء ، بل فقط ليشكلوا غطاء لهم ، فيبدو الأمر وكأن المعتدين على الثوار هم أهالي المنطقة الشرفاء.

لفترة طويلة كان الظن أن هذا السلاح يعمل لحساب صاحبه القديم أعني أمن الدولة ، وبتمويل من فلول نظام مبارك ، وأنه يضع المجلس العسكري نفسه في بعض الأحيان في مواقف محرجه ، ويظهره بمظهر من لا يستطيع السيطرة على الأمور ، كما حدث في أحداث إمبابة مثلاً ، وأنه كان الطرف الثالث ـ الذي يبحث عنه الجميع ـ في مذبحة ماسبيرو  ورغم أني أميل إلى إستبعاد هذا الرأي ، إلا أنني أظن أنه حتى في حالة صحته ، يظل المجلس العسكري المسؤول الأول عن استمرار  هذه القيادات الفاسدة في أمن الدولة ، ويصبح غريباً وغير مفهوم دفاعه عن استمرارهم ورفضه بإستماتة تطهير الداخلية منهم

Advertisements
This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s