دولة عاشور الناجي ..إسم الله عليه ..إسم الله عليه..!!؟

عاشور الناجي ..إسم شهير لأحد قادة الفتوات في أدب نجيب محفوظ ، والفتونة ظاهرة كانت في مصر لفترة طويلة ولم تختفي إلا في أوائل القرن العشرين، تكمل بهم الدولة بسط سيطرتها على الأحياء التي لم تكن قوة الشرطة تغطيها بالكامل ، وبالذات في الحواري والمناطق الشعبية ، فكان لكل حي فتوة له رجاله التابعين المخلصين له ، يفرضون الإتاوات على الناس،في مقابل ضبط وتنظيم أمور الحياة اليومية في الحارة ، والحفاظ على أمن ” أهلها وحقوقهم، ومنع إختراق القانون الخاص الذي يضعه الفتوة  ويطبقه رجاله بحزم، وليس معنى القانون هنا العدل ، بل معناه النظام الذي يضعه الفتوة نفسه ويلزم أهل حارته بإتباعه وإلا عوقبوا بالضرب والأهانة وربما الطرد من الحارة كلها ،ولهذا فقد يكون الفتوة عادلا أو جائرا، يرجع ذلك لأخلاق الفتوة نفسه ومصالحه ، لكن قواعد الفتونة التي لا تتغير كانت بالأساس أن القيادة والسيطرة للأقوى ، وأن إخلاص وولاء رجال الفتوة وإستعدادهم للموت دفاعا عنه أمر لا نقاش فيه ، وهذا لايمنع أن الخروج علي الفتوة نفسه وتحديه ممكن ، إذا أحس أحد رجاله بالقوة في نفسه أو الضعف في سيده ، ولكن عليه أن يدرك أن هذا نهاية هذا الخروج محتومة بأمر من إثنين ، إما إنتصاره على زعيمه القديم وتنصيبه فتوة بدلا منه ،أو مقتله الأكيد على يد الفتوة القديم ..

ضع هذه اللوحة عن الفتوات والفتونة في  خلفية المشهد الحالي للأحداث في مصر ، تجد الصورة واضحة وجلية ، كأنها كانت مكتوبة بالحبر السري ومررت على السطور بالمظهر ، وهذا لايعني إنها التفسير الوحيد ،أو أنها كافية لإظهار كل التفاصيل لكنها تظهر منها الكثير ..وهذا المفهوم للأسف تجده عند قادة الحكم والمسؤولين كما تجده عند عامة الشعب !!..خذ مثلا تصريحات وزير الداخلية الأخيرة ، التي خرج فيها غاضباً ومتوعداً ومهدداً للشعب وفي تلفزيون الدولة ” بأن يضرب بالرصاص الحي وفي القلب ..كل من يقترب وزارة الداخلية أو أقسام الشرطة ” ؟! ، أغمض عينيك قليلاً ، وتخيل أنك تستمع لعاشور الناجي يدافع بشراسة عن بيته وسلطته وهيبته ؟! ، هذا ليس كلام ولا منطق وزير داخلية في دولة متحضرة ، يحترم الشعب الذي عينه في منصبه ويملك أن يقيله إذا أخطأ ، هذا منطق عاشور الناجي.

يعرف وزير الداخلية في أي دولة متحضرة ، أن مهامه الأساسية هي حماية أرواح الشعب وممتلكاته ، والحفاظ على أمنه والألتزام بتطبيق القانون على الجميع ، مع الإلتزام في تطبيقه أيضا، وعندما تقصر الداخلية في كل هذه المهام ، وبدلا من أن يخرج المسؤل الأول معتذراً مستعطفاً مبرراً تقصيره ووزارته في أداء مهامه ،يخرج مهدداً؟؟ ، بدعوى وجود محاولات لإقتحام الوزارة وتهديدات لها ـ مبنى وزارة الداخلية قلعة حصينة عالية الأسوار حديدية الأبواب ، يصعب على نابليون نفسه إقتحامها ـ، والحق أني ومنذ ٢٥ يناير لم أرى أي تهديد لوزارة الداخلية، ما رأيته هو مظاهرات غاضبة لشعب موجوع لا يملك إلا الهتاف والطوب للرد على رصاص الداخلية. في ليلة ٢٨ يناير و٢٩ مثلا أطلق الرصاص على المتظاهرين وهم يبعدون أكثر من ناصيتين عن الوزارة ، ويفصلهم الجيش بدباباته عنها، ومع هذا قتلوا برصاص القناصة؟ ،  ويراهم الوزير بلطجية لا شهداء ؟ ، حتى حق الصراخ من الألم أو صرخة الموت يستكثرها علينا!؟ ،  وهكذا يرى أيضا من قتلوا أمام أقسام الشرطة ، والعجيب أن الوزير لم يخرج بتقرير محترم وموثق عما جرى بدقة ، يحترم به حق الشهداء وحق الشعب ـ الذي يعمل في خدمته ـ في أن يعرف حقيقة ما جرى، بدلاً من هذا وللأسف يدافع عن ” رجاله ” بشراسة ، ويستسهل إتهام الشهداء بأنهم بلطجية أرادوا إقتحام الأقسام ، متجاهلا أن كثيرا من الأقسام التي إقتحمت يوم ٢٨ يناير كانت تقع في ميادين تجمعت بها الآلاف للتظاهر ـ والأمثلة عديد لأقسام الأزبكية والخليفة والسيدة زينب ..إلخ ـ  ، فضربهم رجال الشرطة بالخرطوش والرصاص الحي ، فلم يعد أمام المتظاهرين من خيار للدافاع عن أنفسهم سوى مهاجمة الأقسام ، أما ما بعد ٢٨ يناير فلا يجب أن ينسى الوزير أن هذه الأقسام مارست العنف والتعذيب  والإستغلال والجبايةلأكثر من ٦٠ عاما ، وتحولت في نظر الكثيرين من أبناء الشعب ،لأوكار فساد تتضاءل بجانبها سيئات الفتوات وقرصنتهم ، فحتى الفتوات كانت أخلاقهم لا تسمح بسجن النساء وتعذيبهن حتى يسلم الأزواج أو الأبناء أنفسهم ، هذا التاريخ طبعا لا يسأل عنه الوزير ، لكن كان الأجدر به بدلا من محاولاته اليائسة والبائسة فس الدفاع عن المجرمين من رجال الشرطة ، كما لوكانت عصابة وليست مؤسسة من مؤسسات الدولة  ، يملكها الشعب وينشئها لأداء وظيفة محددة ، وحقه الكامل إذا خرجت عن حدود هذه الوظيفة أن يثور عليها ويعيد تشكيلها وصياغتها كي تؤدي بالضبط ما أنشأها لأجله من مهمة ، وهذا تحديدا ما كان يرجى من هذا الوزير وهو بالضبط ما فشل فيه تماما ،

لا وجه للجدال ولا معنى أصلا لمناقشة أن من حق رجال الشرطة الدفاع عن أنفسهم، ضد أي ” هجوم مسلح ”  وليس مظاهرات سلمية ـ هي سلمية وإن سبت ولعنت وقذفت بالطوب تظل سلمية ولا يجوز أبداً إستخدام العنف ضدها ـ ولكن في كل الدول المحترمة ، لهذا الدفاع نفسه أصول وقواعد لابد من إتباعها والإلتزام الدقيق بها، وإلا تعرض رجل الشرطة نفسه للمساءلة والحساب الشديدين، وعندما يتعلق الأمر بجهاز لم يتخلص بعد من تاريخه الأسود ، يتوجب علينا التعامل بحرص شديد مع هذه الدعاوى ، وبالنظر للتاريخ الطويل العريض للداخلية في الإدعاء والكذب ، أظن أنه كان من الأجدى بالوزير أن يبدأ مهامه بالإعتراف بما فعلته الداخلية من جرائم ، قبل وأثناء وبعد الثورة ، والتكفير بالفعل وليس بالكلام عن هذه الجرائم بالتحقيق الجاد والحازم فيها وتقديم كل من شارك للمحاكمة العادلة ، بدلا من هذا إعتبرت الداخلية في عهد وزير جديد جاءت به الثورة ،أن مهمتها هي حماية رجالها حتى لو كانوا مجرمين ، فتفننت بإسم القانون في حماية قتلة الشهداء ولم توقفهم حتى عن العمل ، وتغاضت عن ضغطهم وإبتزازهم لأهالي الشهداء والمصابين وإستغلال أحوالهم المادية السيئة للضغط عليهم ، بل تسربت أخبار موثقة عن تحملها تكاليف المحامين المدافعين عن قتلة الشهداء ، وتحملها المؤكد بالوثائق في الصعيد لقيمة الدية “الرشوة” لأهالي الشهداء مقابل تنازلهم وتغيير شهاداتهم  ، وهو ما يتناقض تماما مع المفهوم الأساسي للدية ، الذي يعني إعتراف القاتل بفعلته وإعتذاره عنه ، وهو ما لو وثق أمام المحكمة لما فلت القاتل بفعلته !؟

يقضي الإنصاف أن أقول أن هذا ليس مفهوم وزير الداخلية وحده ، وإن إتخذته هنا مثلا لهذا النوع من التفكير،  بل للأسف هو مفهوم كل القيادات الحاكمة في مصر ، فعندما يصرح مسؤول أن محاكمة عمر سليمان أوأحمد شفيق ربما تكون صعبة لإنتمائهم للمؤسسة العسكرية ، أو أنه كان شاقا على المجلس العسكري تقديم مبارك للمحاكمة لإنتمائه إليها ، أو أن الجيش لن يقدم سوزان مبارك للمحاكمة،،لإنه لا يحاكم النساء؟!! ، عندما يضع المجلس العسكري – بإرادته المنفردة ـ إعلانا دستوريا ، ثم يكون هو أول من يخرقه !،ثم يخرج متحدثين بإسمه في الإعلام مهددين ومتوعدين لكل من يكشف هذا الخرق !؟ ..عندما يحدث كل هذا وأكثر منه فنحن هنا لا نتحدث عن دولة متحضرة ، تحكمها مؤسسات وتقيدها قوانين يحترمها ويخضع لها الجميع ، بل نتحدث عن دولة عاشور الناجي حيث الولاء لا يكون للشعب بل للفتوة ورجال الفتوة ، والإحترام لا يكون للقانون الذي يطبق على الجميع ، بل الإحترام أو بالأصح الخوف والرعب من القوة والبلطجة ، التي تصبح هي الحاكم..ليست هذه الدولة التي نريدها ومن أجلها ثار الشعب ، ولأجلها ستستمر الثورة حتى نفرض دولة العدل والقانون ، دولة الديموقراطية.

Advertisements
This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s