دولة مدنية بمرجعية إسلامية ..محاولة للفهم

هذا مقال للشيخ د.يوسف القرضاوي وجدت فيه تفسير الشيخ للدولة المدنية التي نريد ، ولكنه يخصها بمرجعية إسلامية ، وهو مثال لفكر الإسلام السياسي الذي أحاول معكم فهم ما يقصدونه من هذا المصطلح ،وسأضع عبارات الشيخ كما هي بين علامات للإيضاح .

يبدأ الشيخ مقاله بهجوم قوي علي العلمانيين الذين يريدون حرمان الإسلام من إقامة دولته ؟؟ .. يفترض الشيخ بداية أن الإسلام دين ودولة وأن هناك من يملك أولا ثم يريد أن يمنع الإسلام من إقامة دولته ، وهذا يجعل القارئ المسلم طبعا وهو من يتوجه إليه الشيخ في حديثه مستفزا ومستنفرا من اللحظة الأولى، مستشعرا لخطر الهجوم على الإسلام وإضطهاده ، مع أن فض هذا النزاع يمكن بسهولة إذا فصلنا الرابط بين الإسلام كدين ، يحترمه العلمانيون وغير العلمانيين ، ولا يملك أحد أن يمنع أو يمنح أتباعه من الحق في إتباعه، وبين الدولة التي تحمل صبغة إسلامية ، العلمانية يا شيخنا لا تضهد الإسلام ولا أي دين أخر ، لأنها ببساطة تحترم حق الإنسان في إتباع أي دين يراه وحق ممارسة شعائر هذا الدين ، بل إنها تتكفل بضمان المساواة في هذا الحق للجميع ، دون التفرقة بين دين وأخر .

ثم ينتقل الشيخ إلى نفي الصلة بين دولته الإسلامية والدولة الدينية كما يراها العلمانيون ، التي يلخصها في انها كانت دولة تحكمها الكنيسة في العصور الوسطى في أوروبا ، ” وأنها دولة كهنوتية، تتحكم في أهل الأرض باسم السماء، وتتحكم في دنيا الناس باسم الله، وهذه كلها دعاوى ما أنزل الله بها من سلطان، ولا قام عليها برهان.” ، والحق أن الدولة الإسلامية لم تعرف حكم رجال الدين بشكل مباشر كما كانت أوروبا ، لكن هذا لم يكن هو الشكل الوحيد للدولة الدينية ، فالبرهان الذي يسأل عليه الشيخ واضح وجلي في كتب التاريخ الإسلامي التي يتحاشى الشيخ ذكرها ، فكيف كان يتحكم الخلفاء المسلمين في دولة بني أمية مثلا أو الدولة العباسية في الناس ؟؟ ألم يكن بإسم الله ووكلاء عنه ؟؟؟

فلنبدأ من معاوية الذي كان “خليفة الله على الأرض” ,وأول الملوك ,و”الأمين والمأمون ” ,وإمام الإسلام “..!!

-ومن عهده أصبحت السلطة يتم تحديدها من الله ,وليس للناس فيها رأي ولا شورة .والخليفة “خليفة الله” (إبتدأ من عبد الملك بن مروان) وأن على الناس الأستسلام والطاعة!! ،، والأمثلة لا تعد ولا تحصي ، تصل مع الخلافة العباسية والخليفة المنصور الذي يقول بوضوح ” انا سلطان الله في أرضه”  راجع مقال د.إمام عبد الفتاح

الدولة الدينية ليست فقط هي الدولة التي يحكمها رجال الدين ، بل هي الدولة التي يزعم حاكمها أنه إنما جلس العرش بإرادة إلهية ، فلا يجوز لأحد أن يراجعه أو يحاسبه فضلا عن أن يعزله ، أو كما قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان :والله لا أخلع ثوبا سربلنيه الله ” أي ألبسنيه الله، هنا يصبح الخارج علي الحاكم أو المعارض إنما هو خارج عن الدين ، وفي هذه الدولة تصبح مهمة رجال الدين الأساسية هي توظيف الدين نفسه لخدمة الحاكم ، وتلوين الفتاوى والأحكام لتتوافق مع رغباته وأهوائه ، حتى لو كانت هذه الرغبات طعنا في صحيح الدين نفسه ،

ثم يبسط الشيخ لنا مفهوم الدولة الإسلامية :ـ

” فالحق أن الدولة الإسلامية: دولة مدنية، ككل الدول المدنية، لا يميزها عن غيرها إلا أن مرجعيتها الشريعة الإسلامية.

ومعنى (مدنية الدولة): أنها تقوم على أساس اختيار القوي الأمين، المؤهل للقيادة، الجامع لشروطها، يختاره بكل حرية: أهل الحل والعقد، كما تقوم على البيعة العامة من الأمة، وعلى وجوب الشورى بعد ذلك، ونزول الأمير أو الإمام على رأي الأمة، أو مجلس شوراها، كما تقوم كذلك على مسؤولية الحاكم أمام الأمة، وحق كل فرد في الرعية أن ينصح له، ويشير عليه، ويأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر. بل يعتبر الإسلام ذلك فرض كفاية على الأمة، وقد يصبح فرض عين على المسلم، إذا قدر عليه، وعجز غيره عنه، أو تقاعس عن أدائه.”

ولا أظن كلاما يبلغ هذا المدى في العمومية حين يفترض التخصيص والتدقيق ، فشرط الحاكم أن يكون ” القوي الأمين ” ؟؟ يعني ايييه ؟؟ هذا كان شرط إستئجار نبي الله موسى ليعمل خادما لدي شيخ صالح ، كما أشار إلى ذلك القرآن: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِين [القصص:26]، في عصر كان يُكبر ويعظم القوة البدنية اللازمة للقيام بمهام الخادم ، ما دخل هذا بإختيار حاكم أو بلغة العصر رئيس جمهورية في القرن الواحد والعشرين ؟؟ في دولة نتمنى أن تكون حديثة ، ” المؤهل للقيادة الجامع لشروطها” ؟؟ كان يشترطون في ما مضى أن يكون الحاكم من قريش ويستندون إلى أحاديث في هذا راجع مقال إبراهيم عيسى، فهل لا يزال هذا الشرط مطلوبا ؟؟ لا يفصح الشيخ .. بل يكمل الغموض حين يرى أن إختيار الحاكم يكون لأهل الحل والعقد ؟؟ من هم ؟؟ ومن يختارهم وعلى أى إساس ؟؟ وهل هم من رجال الدين .. زي حضرتك كده ؟؟ العالمين بالشرع المتفقهين فيه ؟؟وأين تجد هذا في التاريخ الإسلامي ؟؟ في إختيار أبو بكر وعمر وعلي مثلا ؟؟ أم في الدولة الأموية وما بعدها وقد كانت ملك عضوض ؟؟

وماذا تعني بالبيعة ؟ هي بلا شك شئ يختلف تماما عن الإنتخاب الذي يكون بين أكثر من مرشح ، يطرحون للأمة برامجهم ، ويتنافسون في إقناع المرشحين بكل الوسائل ، البيعة ليست كذلك ، بل هي إقرار بالموافقة على حاكم سبق إختياره ، عن طريق أهل الحل والعقد طبعا كما ذكر الشيخ ، وماذا لو رفض غالبية المسلمين هذا الإختيار ؟ ، ثم هل يحق للمسلم نقض البيعة إذا رأى أن الحاكم ليس كفؤا لها ؟؟ وكيف ينقضها وقد رفض أمير المؤمنين عثمان بن عفان نقضها ؟؟ ، لقد تحولت البيعة منذ حكم معاوية إلى مجرد إجراء شكلي أشبه ما يكون بالإستفتاءات ، يستهان فيه برأي  المسلمين حتى تبلغ الإهانة جعلهم يبايعون على كتاب مغلق لا يدرون حتى لمن يبايعون !!  . . ويكره عليها الناس إكراها ، وواقعة الحرة التى إغتصب فيها جنود يزيد بن معاوية نساء المدينة وقتلوا خلقا كثيرا مجرد مثال لما يقال عن البيعة تحفل بأشباهه كتب التاريخ .

وجوب الشورى .. التي هي بتعريفها غير ملزمة ، مجرد إبداء النصح ، وليته يفيد ، بل يحفل التاريخ بإمثله لمن حاولوا مجرد إبداء النصح للخليفة فكان مالهم القتل أو السجن ، فكيف بالأمر بالمعروف ؟؟ وأين ومتى نزل الأمير على رأي الأمة ؟؟

” وهناك أمة هي التي اختارت هذا الحاكم، وهي التي تحاسبه، وتقومه إذا اعوج، وتعزله إذا أصر على عوجه”، على طول فترة حكم الدولة الأموية من  ٤١ هـ ـ١٢٧ هـ  و١٤ خليفة ، والدولة العباسية من ١٣٢ هـ ـ ٦٤٠ هـ  و٣٧ خليفة ، فضلا عن الدولة الفاطمية ، ثم العثمانية ، لا يذكر لنا الشيخ الأمين حادثة واحدة حاسبت فيها الأمة حاكمها أو قومته فضلا عن أن تعزله ، بل وعلى طول هذه الفترة وتعدد خلفائها ، لن تجد مثلا واحدا يضرب عن عدل معاوية أو يزيد ، أو سماحة السفاح وعفوه عن معارضيه ؟ وعلى قصر فترة خلافة أبو بكر عامين وعمر إحدى عشر عاما ، وعمر بن عبد العزيز عامين ، ستجد كل أمثلة العدل والحكم الرشيد من هذه الفترة ، وهذا إن دل على شئ فإنه يدل على أن سلوك هؤلاء الرجال في الحكم ،لم يكن سوى أخلاقهم هم وتدينهم وطباعهم الشخصية ، وليست بأي حال قواعد وأسس الحكم الإسلامي وإلا لكانت قواعد صريحة وواضحة ولإلتزم بها الجميع

” هذا الحاكم في الإسلام مقيد غير مطلق، هناك شريعة تحكمه، وقيم توجهه، وأحكام تقيده، وهي أحكام لم يضعها هو ولا حزبه أو حاشيته، بل وضعها له ولغيره من المكلَّفين: رب الناس، مَلِك الناس، إله الناس. ولا يستطيع هو ولا غيره من الناس أن يلغوا هذه الأحكام”، الحق أن الإسلام قرآنا وسنة ، لم يضع أي قواعد لإختيار الحاكم أو توليته وعزله ، وهذا لا يعيب الإسلام ولا ينتقص منه ، فهو دين وليس كتابا في قواعد الحكم ، كما أن تطور المجتمع البشري ورقي العقل ونضوجه ، يفرضان مساحة للحركة والتجربة ، تركها لنا الخالق ، ويريد عباده أن يضيقوها علينا ، بقواعد إنتزعوها إنتزاعا من سياق عصرها ، ليفرضوها علينا بإسم الإسلام ، وما هي من الإسلام في شئ ، إن هي إلا إجتهادات بشرية تخطئ رتصيب ، وإن إجتهدها المسلمون الأوائل ، بما يناسب عصرهم ، وما كان متاح لهم من المعارف والخبرات ، فقد إقتبس عمربن الخطاب نظام بيت المال ، ونظام العسس ..إلخ، ومعظم قواعد تنظيم الدولة من تجارب الإمبراطوريات التي فتحها ، وكانت هذه الحضارات معينا لا ينضب للدولة الناشئة ، ولم يجد غضاضة على الإطلاق من التعلم من تجاربهم والإستفادة منها ، فلماذا يطالبوننا اليوم بإنكار تجارب الإنسانية في أنظمة الحكم وإختيار ما يناسبنا منها ؟؟

إن الإسلام كدين ، يضع قواعدا عامة للعدل والإخاء والمساواة بين أفراد المجتمع الإسلامي  ، تنطبق على الدول المتقدمة في عالمنا الحالي سواء في الغرب أو في الشرق ، بأكثر مما تنطبق على دول تصف نفسها بالإسلامية ، وهي مثال للإستبداد والظلم والتخلف ويسئ المسلم المخلص لدينه إنتسابها ظلما وعدوانا للإسلام ..

أما الدولة الإسلامية ، فلم يكن هناك شكلا واضحا في بداياتها ، وإعتمدت في عصر الخلفاء الراشدين ، على أخلاقهم وتدينهم الشديد وإجتهادهم ، لكن هذا كله مات بموتهم ، وتحولت الدولة تحديدا منذ إعتلاء معاوية لسدة الحكم ، إلى إمبراطورية ينطبق عليها ما ينطبق على الإمبراطوريات في عصرها ، تحكمها وتسيرها نفس القواعد ، وليس لها من الإسلام إلا الإسم .

Advertisements
This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

2 Responses to دولة مدنية بمرجعية إسلامية ..محاولة للفهم

  1. Jim says:

    مقال ممتاز

  2. salooh says:

    المقال صار له شهر ولكن لا بأس، لماذا تستدل بالخلافة العباسية أو الأموية وكأنها طبقت تعاليم الإسلام بحذافيره، أخطاؤها ترجع عليها ولا ترجع على الحكم الإسلامي الذي يطلبه الإسلام والذي لم يطبق في الخلافتين وأيضا عندما تتحدث عن “القوي الأمين” فمن السهل فهمه وليس كما تحاول أن تجعله مصطلحا لا معنى له فالقوي بمعنى القادر على إدارة شؤون البلاد والعباد، والأمين بمعنى أنه يستأمن على الرعية والمال أما عن الشورى فمن المعروف أنه ليس له شكل معين وإنما المهم أن فحواها هو أن الأمة هي من تختار قائدها بانتخابات أو بأي شكل معين، وأهل الحل والعقد ما دورهم إلا ترشيح ناس يرونهم أكفاء ولهؤلاء المرشحين أن يعرضوا برامجهم أمام الأمة، وأما عن قول أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه فهل لديك شك أن أي شيء يقع هو بإرادة إلهية، ومادام الناس هم من اختاروه فهذه مسؤولية كتبها الله له. وبالنسبة للقيم والأحكام التي تحدد عمل الحاكم فأعتقد أنه هنا ليس للإسلامي أن يقنع العلماني ولا للعلماني أن يقنع الإسلامي فهذا هو جوهر الخلاف فالإسلامي يؤمن أن الله هو من خلق الكون وهو من وضع الأحكام التي تحدد الحكم ولا يجوز الخروج عنها أما العلماني إن لم يكن ملحدا فيومن أن الله خلق له العقل ليضع لنفسه مايراه مناسبا من الأحكام، فلا داعي أن يناظر كل طرف الطرف الآخر في هذه القضية فلن يقنعه أبد إلا أن يصير الإسلامي علمانيا أو يصير العلماني إسلاميا

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s