والثورة علي الأبواب ..درس التسونامي العربي

روعة ما فعله الشعب التونسي أنه يعيد كتابة تاريخ المنطقة العربية كلها، فأكتبوه علي كراسات الطفال ، علي أعلي السبورة في المدارس والجامعات ، علي الجباه بجوار علامات الصلاة ، وإوشموه علي الأيادي مع الصليب، رتلوا الدرس بعد كل صلاة وقبل الدعاء !!، أول الدرس :نعم .. نعم يستطيع الشعب الأعزل بالمظاهرات والإحتجاجات السلمية المتواصلة والمصممة ، بالإرادة والعزم ، بالإستهانة بالتضحيات في سبيل الوطن، بكسر حاجز الخوف مرة واحدة .. فيكسر للأبد، يستطيع حينها الشعب أن يزيح حاكمه ..مهما بلغت سطوته وتجبره حتي لو كان كما كان ” بن علي ” كما أي طاغية عربي ، هو الواحد الأحد الفرض والفرد ، الموجود من الأزل ، والباقي إلي الأبد، الجامع في يديه كل السلطات وكل الأقدار ، صانع ماضي الأمة .. بل ومستقبلها يمر بين أصابعه ، ولو شاءت قبضته وضمها ، لاخير يرجي ولا نهر يفيض ولا الشمس تجرؤ أن تطلعا ..!! ، هو الجبار والمتجبر ..القاهر لكل أعداءه ..، وفجأة في طرفة عين ..يخرج في جنح الليل.. مهرولا.. متخفيا.. مفزوعا.. مروعا ، هذا الذي كان يخشي منه ولا يخشي عليه .. يرتبك ؟ يغشي عليه ؟، لا سلطة ولا سطوة ..لا ولا من بلد ترضي أن تستقبله ؟كيف؟

بقدر ما كان تصاعد إيقاع الثورة سريعا وناجزا ، إلي حد أني أظن أن كل السياسين والمثقفين والمحللين لم يتوقعوا ثورة بهذا الحجم وهذه الحيوية والإنتشار والتصاعد السريع والمنظم ، كأنه أوركسترا تدرب عازفوه ألاف المرات علي هذا الأداء الرائع المتناغم، فجاء العرض الحقيقي مبدعا ..رائعا.. محلقا بلا أي نشاز ، بل إن أحدا حتي الآن لا يستطيع أن يستوعب حجم ما حدث ، وتأثيراته علي المستقبل السياسي للمنطقة العربية ، لهذا فنحن محتاجين بشدة لأن نحاول وبأسرع ما يمكن أن نفهمه ونحلله ونستفيد منه أقصي إستفادة ممكنة، لثقتي الشديدة في أن التسونامي* العربي بدأ بالفعل، وأنه قادم بقوة في إتجاهنا، وأن ما فعلته تونس لم يكن إلا الموجة الأولي ، وأن موجات أخري قادمة ستتوالي، لتعيد تشكيل منطقة تكاد تكون الوحيدة في العالم الآن التي تعيش خارج التاريخ ، وأن شيئا شبيها بما حدث في أوروبا الشرقية يطرق أبوابنا بقوة .

الدرس الأول:كانت الأحوال في تونس هادئة بشكل عام ، الأمن مستتب قبضة بن علي الحديدية تحكم البلاد بإستقرار منذ ٢٣ عاما ، لا يوجد أي هامش للنشاط السياسي ، حتي مقارنة بمصر ، الأعلام بكل أشكاله والإنترنت محاصر ، الوضع الإقتصادي شبيه بما يحدث في مصر ، بيع للقطاع العام لمصلحة العصابة الحاكمة ، طبقة ضيئلة من المحيطين بالرئيس تسيطر على معظم الثروة في البلد ، الحكومة تخلت عن مسئوليتها في إيجاد الوظائف والإستفادة من الثروة البشرية ، فترتفع نسبة البطالة بشكل  كبير لكن الوضع الإقتصادي عامة بشكل يظل أفضل من مصر بكثير متوسط دخل الفرد في تونس ضعف نظيره المصري مثلا .. لا يوجد حراك سياسي من أي نوع يظهر علي هذا السطح الساكن ، أي أن كل المؤشرات كنت ترشح مصر لا تونس لمثل هذا التحرك ، وهذا هو الدرس الأول: لا يستطيع أحد أن يعرف متي ولا كيف ستقوم الثورة أو متي ينتفض الشعب ويبدأ التحرك ..

تخرج المظاهرات في “سيدي بوزيد ” فيخطب الرئيس كالعادة مدينا المخربين والمارقين ، أصابع الأيادي الأجنبية العابثة بإستقرار البلاد وأمنها ،مظاهرات يقودها شباب يعاني من البطالة بعد أن أنفق عليه الأهل كل ما يملكون في تعليمه وتأهيله لينتهي به الأمر علي مقاهي البطالة ، مطالب فئوية بحته وتستمر كذلك لأكثر من إسبوعين، بدأت في أشد مناطق تونس فقرا وبعدا عن الإهتمام والتنمية ، وردود الطاغية كما هو متوقع ، إتهام وتخوين وتهديد بالمواجهة العنيفة بدون أدني تراجع ، وتتصاعد سطوة أمنه ووحشيتهم ،  بالضرب والسحل والإعتقال ، فتنضم ” تالة ” إلي المظاهرات اليومية في “سيدي بوزيد ” ، منطقة أخري فقيرة ومهمشة ، فيخطب ثانية مهددا متوعدا.. ومصعدا بإستخدام أقصى وأقسى درجات الحزم .. الرصاص الحي والقناصة فوق أسطح المباني والجوامع ،لإصطياد المتظاهرين والضرب في مقتل وبلا رحمة، بل ويستخدم البلطجية والملثمين من رجال الأمن يعيثوا فسادا وتخريبا ، حتي يكون مبررا لهذا العنف الغبي ، ويرعبون الشعب التونسي كله بأن أمنه مهددا ، وهو سلوك أظنه مقتبس من النظام المصري ، صاحب الريادة في إستخدام رجال الأمن للبلطجية في المهام القذرة ؟؟!! ، هنا مجموعة من الدروس المهمة ، بدأت الحركة أولا في المناطق الأكثر فقرا وتهميشا ـ أشبه ما تكون بما حدث في المحلة الكبري في ٢٠٠٨ والفارق هو تواصل المظاهرات وإنضمام مناطق أخري في حين نجح الأمن في إجهاضها في المحلة ولم ينضم إليها أحد ـ خطاب النظام إلي الشعب يتميز بالإستعلاء والتخوين ويلجأ إلي التهديد وإستخدام العنف المتصاعد دون أي بارقة للتراجع أو التهدئة ، حتي هذا الوقت كانت المطالب فئوية ومحدودة تطالب فقط بالحق في العمل  “العمل إستحقاق ياحكومة السراق ” ..ويحافظ الشعب الرائع علي تماسكه ويواجه ببسالة الأمن والبلطجية ومحاولات التخريب وتستمر المظاهرات وتتسع ..

تنتقل الثورة إلي مستوى أعلى بدخول صفاقس وتونس العاصمة ، وبإنضمام النقابات والناشطين السياسين وتعم المظاهرات تونس كلها ، وتبروز المشكلة والحل في هتافات جديدة ” بن علي ياجبان الشعب التونسي لا يهان ” .. و” تونس حرة حرة بن علي برة برة ” .. ويستشعر الطاغية الخطر فيخرج بتعديلات وزارية شكلية طبعا مهمتها فقط إمتصاص الغضب .. ووعود بفرص عمل جديدة ومشاريع .. لكن بعد فوات الأوان .. وتعلن حالة الطواري وينزل الجيش إلي الشارع لحماية المؤسسات الهامة .. في محاولة مستميتة لوقف الزحف الهادرالذي دخل إلي مرحلته الأخيرة وهي مرحلة صراع البقاء ، الثورة تطالب بوضوح بتنحية الطاغية عن عرشه وأنها لن تقبل بأقل من ذلك، وهو شعر أخير بأنها النهاية ، وأن الأمر لم يعد مجرد مظاهرات غاضبة يمكن السيطرة عليها بجزرة المشاريع الجديدة وفرص العمل أو أي إصلاحات جديدة ،ولا بعصا الأمن التي وصلت إلي أقصى عنف ممكن ، ورغم إرتفاع عدد الشهداء اليومي **، لم تتراجع درجة الغليان أو تهدأ، بل وزادت حتى طلب من الجيش إستخدام الرصاص مع المتظاهرين ، وهو ما رفضه الجيش في موقف شديد الوطنية لا أظنه يختلف عن موقف الجيش المصري لو وضع في نفس الظروف ..وهكذا أصبح خروج بن علي مسألة وقت لا أكثر ، وأعلن ظهوره علي الشعب للمرة الأخيرة ، أن ههنا ظالم يدحر وطاغية لم يتواني عن إستخدام أبشع الطرق لإستغلال شعبه ونهب ثرواته وكبت حرياته ، يعلن أنه أخيرا فهم..٢٣ عاما لم يفهم ، وفي ٢٩ يوما فهم ؟

أتمني أن نكون جميعا قد فهمنا الدرس التونسي العظيم ، لا شئ يبرر أن تتقبل الظلم ، لاشئ يعوض العمر الضائع والأحلام المفقودة ، والوطن اليائس الحزين ، أن تقرر أن تكون من المتفرجين فيضيع عمرك وأنت من المتفرجين، علي وطن ينهب ويخرب بأقسي مما فعله أي مستعمر ، مع أن الحل سهل وبسيط ..وعمليا ممكن .. وتونسيا ممكن ..فقط في ٢٩ يوما ، أن نتحول إلي بلد حر وديموقراطي ، أن تصبح البلد بلدك لا بلدهم ، والمهمة الأولي للحاكم الذي إخترته بنفسك أن يرعي مصالحك ومصالح أهلك ، فإن لم يفعل تقيله فورا ، وتختار غيره ، فالمهمة الأولي والأساسية للنظام في البلد الديموقراطية هي أن يرعي مصالح الشعب ،لا مصالحه ومصالح أسرته والطبقة الفاسدة المحيطة به ، وإن لم يفهم هذا في ٣٠ سنة فلن يفهمه أبدا ولا بديل عن أن يلحق بصديقه وشبيهه ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التسونامي : هي الموجات البحرية العملاقة التي تنتج عن زلزال في قاع المحيط وتتراكم حتي تصل إلي إرتفاعات هائلة ..مثل تلك التي تسببت في فيضان مدمر بإندونيسيا حديثا..

لم يزد عدد الشهداء في تونس عن ٦٠ شهيدا ، أي ما يعادل ضحايا حادث مروري واحد في مصر..

Advertisements
This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

3 Responses to والثورة علي الأبواب ..درس التسونامي العربي

  1. خليل says:

    مقالة رائعة من الادب الثورى الرفيع …الله ينور

  2. Khaled says:

    Great stuff mate.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s