البرادعي .. وهل يبدأ المسير؟

لا أنسي هذا المشهد من فيلم غاندي ،كان الرجل قد قرر أن أحد أساليب الضغط علي بريطانيا العظمي أن يؤلمها إقتصاديا بتصنيع محلي للملح ، ومقاطعة المنتج البريطاني ، وإجتمع إليه أتباعه وبدأ مسيرتة إلي شاطئ البحر ، مسيرة علي الأقدام لشهر كامل قطع خلالها مسافة تمتد أكثر من ٢٤٠ كيلومترعلي طرق ريفية ترابية ، لينضم إليه علي طول المسيرة ألاف مؤلفة من الهنود البسطاء،أو بتعبير نهرو بدا الأمر كما لو أن ينابيعاً قد إنفجرت ، فكرة في منتهي البساطة ، راقبتها الإدارة البريطانية بسخرية وإستهزاء ، حتي بدأت التقارير في التوافد ، ألاف الهنود ثم الملايين يشتركون في تصنيع الملح بطرق بدائية ، لكنها كانت كافية لتهز عرش الإمبراطورية وتضربها إقتصاديا ضربة موجعة . وتليها الضربة الأشهر بمقاطعة المنسوجات البريطانية والإعتماد علي الغزل المحلي .. ليصنع كل مواطن هندي وأولهم غاندي رداءه الخاص، بمغزل بدائي وقطن هندي ، تُضرب صناعة الأقمشة والملبوسات البريطانية في مقتل ، ويحرمها من سوق بحجم السوق الهندي ..

رجل واحد يحمل فكرة و.. أملاً لتغيير بلده ، يتبعه الألاف ثم الملايين بعزم وتصميم .. وإرادة لاتقهر ، وينجح بهذه الأفكار البسيطة في إرباك الإمبراطورية ـ التي لم تكن تغيب عنها الشمس وقتها ـ وإقناعها أن بقاءها في الهند ـ جوهرة التاج البريطاني كما كانت تسمي ـ لن يكون إلا سلسة من الخسائر المتتالية ، وأن الأفضل لها أن تحمل عصاها وألاف جنودها المدججين بالسلاح ..وترحل ، وأرغمت في النهاية علي المغيب عن الهند مهزومة مدحورة .. وتؤسس الهند المستقلة ديمقراطية حديثة ، لم تجد مانعًا من أن تستفيد فيها من تجارب المحتل وخبراته ، ليصبح حاضر الهند بالديموقراطية أمامنا مثلاً واضحًا يحتذي ، فبرغم كل مشاكلها ـ التي تتضاءل آمامها مشاكلنا ـ تقف الهند الآن ماردًا صاعدًا يُحسب حسابه بين عمالقة العالم ، من أهل العلم والصناعة والحضارة.

في كل لقاءات البرادعي كان يبدي إعجابه الشديد بغاندي وتجربة الهند ، والحق أني كنت ومازلت أري مابين الهند ومصر من تشابه كبير، بل كنت أحسدهم علي هذا العبقري المهاتما غاندي ، وحين جاء البرادعي فهمت .. أن قدر الأمم العظيمة كالهند ومصر حين تقرر أن تنفض عن نفسها غبار التخلف وتنهض بقوة  من كبوتها، لابد وأن يكون نهوضًا تهتز له الأرض ، وتكون تجربتها مثلاً للبشرية كلها يحتذي من بعد، البرادعي رجل يجمع إلي العلم والخبرة والمكانة الدولية ؛ تاريخًا طويلاً من المعارك السياسية والدبلوماسية ، ليست لديه أي أطماع إلي شهرة ولا نفوذ ، حصل من كليهما ما يكفيه ، تصدقه عندما يقول أن كل ما يأمل فيه أن يري بلده تنهض من قاع إنتهت إليه لا يليق بها أبدًا، لتواكب ركب الحضارة ، وأن السبيل الوحيد لهذا هو الديموقراطية ، هي المنقذ الوحيد لنا ، للخروج من قبونا المظلم ، وهو حل يشهد عليه حال كل الأمم من حولنا، داعياً إلي التغيير السلمي الذي يبدو أنه ذاكر تجربتة الهندية جيدًا ، بل وقرر أن يطبق ما يصلح منها في مصر ، فإعتمد كما فعل غاندي علي الشباب الجامعي المثقف ، الذي لا يحمل أي أجندة خفية ، سوي إيمانه ببلده وتطلعه لنهضتها .

فكرتة هي المقاومة السلمية وصولًا إلي العصيان المدني، فكرة شديدة العمق وشديدة البساطة معا، فكيف يمكن لأي حكومة ـ مهما ملكت من القوة وجحافل الأمن وإستخدمت ما شاءت من أشكال العنف ـ أن تحكم شعبًا قرر ألا يطيعها ؟، إن الطاعة هذا الفعل الذي يمارس بشكل عفوي وغير واعي ، إذا وضع محل مُساءلة وتفكير، وأصبح قراراً يتخذ بشكل واع، فيمنح عن قناعة وإختيار، ويحجب عن الحكومة الظالمة المستبدة التي لا توفر الحد الأدني من الحياة الكريمة لشعبها ، هذا القرار بحجب الثقة أو الإمتناع عن الطاعة يسحب بساط الشرعية من تحت أقدام أعتي الحكومات ، ويسقطها فورا بشرط أن ينفذ بشكل جماعي واع ومنظم ، أو كما يقول المهاتما: ” بإمكانهم أن يسجنوني ..وأن يعذبوني .. بإمكانهم حتي ..حتي أن يقتلوني .. وعندها سيكون أمامهم جثتي الهامدة ، لكنهم أبداً لن يستطيعوا السيطرة علي إرادتي ولن يجبروني علي طاعتهم ..”..

بدأ البرادعي حملته بجمع التوقيعات التي لم يفهم الكثيرون الغرض منها ، وظنوها هدفًا لذاتها ، بينما كان المقصود منها ، أن يجمع بها المصريين علي هدف واحد ، ويأخذوا موقفاً إيجابياً بسيطاً ، مجرد توقيع علي مطالب سبعة ، تصرف لا يحتمل أي مساءلة ولا يجرمه القانون ، فقط يعبرون فيه عن أن لهم مطالب ، وأنهم يريدون تحقيقها ، إضافة لما ينتجه تحرك الشباب لجمع التوقيعات من حوارات ومناقشات وحركة في الحياة السياسية ، وفي النهاية هي تدريب للشباب علي العمل الجماعي المنظم ، الذي أكد الرجل مراراً أنه يجب أن يستمر في حال وجوده في مصر أو خارجها ، كما أنه عمل لا يخرج عن القانون ، أو يسمح للسلطات بإدانته أو تجريمه بأي شكل من الأشكال ، ولسبب لا أفهمه ، ويفسره الدكتور بإن المصريون لا يزالوا خائفين ، وأن هذا الإحجام الشديد عن المشاركة مهما كان الفعل بسيطًا ، هو النتاج الطبيعي لستين عام من الحكم الديكتاتوري العسكري القامع والخانق ، فلم تتعدي التوقيعات ١٢٥ ألفاً علي النت ، ويقال أن هناك ٢٠٠ ألف توقيعات ورقية ، أضافة لما جمعه الإخوان وهو ٩٠٠ ألف ، أرقام أراها لازالت هزيلة ، وكان يجب أن تكون بالملايين ، إن الطبقة المتعلمة في مصر والتي تعاني أشد المعاناة كان ينتظر منها أن تكون في طليعة الصفوف الأولي ، لتحمل هذا المشروع علي أكتافها وتنهض به، وانا أعني وأسأل عن القضاة والمحامين والأطباء والمهندسين ، عن طلبة الجامعة وأساتذتها، وصفوف ملايين الخريجين العاطلين ، عن كل الطوائف المطحونة والمهدور حقوقها في قاع مجتمع بلا حقوق أصلا إلا للحاكم وحاشيته، عن الأقباط والنوبيين وأهل سيناء ، عن المصريين خارج مصر وداخلها ،عن كل الفئات المتعلمة والمهانة والتي فقدت الأمل في أي مستقبل في هذا البلد أين هم ؟ ، أين الاف الموظفين المطحونين الذين إفترشوا رصيف مجلس الشعب بأسرهم لشهور طويلة دون أن يعبرهم السادة الجدد بنظرة ؟ أين العمال المسرّحين من المصانع والشركات المباعة إلي مقاهي المعاش المبكر والفقر المستعجل ؟ أن فكرة جمع التوقيعات هي الخطوة الأولي في طريق الألف ميل ، تتلوها خطوات أصعب وأقصي ، وهي خطوة لا تزال متعثرة ،، ولم تحظي بعد بالزخم الكافي الذي يتيح الأنتقال إلي الخطوات التالية ، في الوقت الذي يستعجل فيه الشباب البرادعي ويلوموه..؟ ويطالبوه بخطوات أخري ..؟؟.

، إن الإنتقال إلي المرحلة التالية في طريق التغيير ، والتي تبدأ بالمظاهرات السلمية ، ويجب أن تكون بأعداد كبيرة  تهز الشارع هزا، وتقنع المترددين أنه الآوان للإنضمام للطوفان القادم ، وترغم الحكومة علي تحاشي التعامل معها بعنف ، لأن المتظاهرون مصممون ومستمرون ، ولا بديل عن أن تتوالي المظاهرات علي مدار أيام وشهور ، حتي يجبروا النظام في النهاية علي إحترام طلباتهم، وإلا كان العصيان المدني ، والذي يبدأ بالإمتناع عن دفع الفواتير مثلا ،ويتصاعد حتي الإمتناع عن العمل تماما والإضراب التام، ولا ينتهي إلا بإسقاط النظام كله ..

هذا هو سيناريو التغيير السلمي ، وهو يتطلب ألافا من المؤمنين به ، المتحدين خلف الرجل علي قلب رجل واحد ، المستعدين لكل التضحيات، المؤمنين بأن مستقبل أولادهم وبلادهم في إيديهم وأنهم يصنعونه الآن وللمرة الأولي في مصر يمسك أبناءها بقدرهم ويصنعوا مستقبلهم بأيديهم ، وأن الإنتصار قادم ولابديل عنه، مهما كانت شراسة النظام المنهار وإستبساله في معركته الأخيرة  فهل نحن مستعدين لنبدأ طريق الملح نحو المستقبل ..؟

Advertisements
This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

3 Responses to البرادعي .. وهل يبدأ المسير؟

  1. Mohamed says:

    رائع بمعي الكلمة التغيير قادم لا محالة إن شاء الله

  2. ربنا يهدك
    فتحت المدونة لقيت حد بيقول لي
    SAY SOMETHING
    و المصيبة اني قاعد لوحدي في غاية الاكتئاب و الهدوء
    دقيقة بقي اغير البنطلون و اجي اقر يا مولانا

  3. lubna moharram says:

    مقالتك كالمعتاد رائعة…وبها كثير من التحليل والشرح لمن لم يدرك فهم دظالبرادعى ومنهجه..ولكبى مازلت مصرة على ان تحركنا داخل الانترنت لن يجدى…الشريحة العريضة من الشعب المصرى والتى يجب ان تفهم وان تستوعب حتى تسير مسيرة الملح لا علاقة لهابالانترنت ولا حتى بالقراء العادية….يجب ان نفكر كيف الوصول اليها لان هذه الطبقة هم القادرون على نجاح المسيرة او فشلها…احنا قاعدين نكلم بعض (نفس المجموعة الصغيرة التى وعيت الموضوع من الاول)..ودول قلة قليلة كيف الوصول الى الاخرين يا صاحبى

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s