د. إمام عبد الفتاح

والنفس حزينة حتى الموت ..!١

أغلقت الباب من ورائه، بعد أن ودعته بفتور غير آسف على فراقه ، فقد جاءني في الصباح الباكر وأنا منشرح الصدر أستبشر خيراً بيوم جديد .. وتركني وأنا أحمل قدراً من الهم والغم والكآبة والإحباط تنوء به الجبال .. تركني .. والنفس حزينة حتى الموت ..!١ لقد ظل معي أكثر من ساعتين يحدثني عن مدى كراهيته للثورات ـ كل الثورات ـ التي مرت بنا حديثا ، من ثورة عبد الناصر التي لم تكن في رأيه أكثر من إنقلاب عسكري ، ولم يسمها أصحابها يوماً بثورة بل “بالحركة المباركة ” ولم تكن مباركة قط ، وإنما إنقلاباً ضد المجتمع وقيمه ، فلم نسمع قبلها عن حاكم يقف وسط الملايين من الناس التي إشتراها “بتراب الفلوس ” ليكذب ، فيتحدث عن توزيع الأرباح على العمال ، والمصانع تخسر ، ويتحدث عن الإشتراكية وهو يجمع الماركسيين ليلقي بهم في السجون ، ويبيح لنفسه أن يصف قوته بأنها أكبر قوة ضاربة في الشرق الأوسط ، وأن لديه صواريخ القاهر والظافر التي لم يطلق منها واحداً عندما إلتقى الجمعان ..!١ حتى قالت عنه المرأة التي كانت تصاحبه ـ كما عبر عن ذلك أديبنا العظيم نجيب محفوظ في مسرحية “التركة” : أنت مغرور ، تتوهم أنك إله ثم تقع كالرطل ..! ” ـ ولك أن تقرأ ” ثرثرة فوق النيل ” وحديث أديبنا الكبير عن عادة المصريين طوال التاريخ في “عبادة العجل” ! ، تلك هي الثورة التي جاء بها عبد الناصر ونصب نفسه حاكماً فوق البشر! ، فقد وضع نظاماً عسكرياً ودكتاتورياً بشعاً لدرجة أنك لو أتيت بخفير درك من قريتنا لاستطاع أن يحكم في سهولة وييسر ، نظاما يفاخر فيه الرئيس في  خطاب عام أنه إعتقل ٦٨ألفا في يوم واحد !! ولهذا لم يجد الرئيس المؤمن ـ الذي قتله إخوانه من المؤمنين ـ أدنى مشكلة في تحويل دفة الحكم من الشرق إلى الغرب ومن النظام الإشتراكي إلى الإنفتاح الرأسمالي ، ومن التحالف مع السوفييت إلى الإرتماء في أحضان الأمريكان ، ومن إلقاء إسرائيل في البحر إلى الصلح معها ، وعقد معاهدة هي الأسوأ في التاريخ، ولا تنسى أنه هو نفسه قام بثورة ١٥ مايو العظيمة التي لم تكن تعني سوى تثبيت ملكه ! ثم جاء بحسني مبارك ممثلا  لجيل أكتوبر ـ ولم نكن نعلم عنه شيئا ولم يكن هو نفسه يعلم عن أمجاده شيئآ سوى ” الضربة الجوية الأولى “! وكأنه كان خبيرآً أجنبياً إستوردناه ليقوم بهذه الضربة ولم تكن هذه وظيفته. ولم يسأل نفسه ، ولم يجرؤ أحد على سؤاله : وأين كنتم يوم” الثغرة ” يوم عبرت أسرائيل قناة السويس إلى الضفة الغربية، وراحت تزحف صوب القاهرة حتى لم يعد بينها وبين العاصمة أكثر من مائة كيلومتر لدرجة أن المفاوضات جرت في الكيلو ١٠١ ..!١ وصمت الصديق قليلاً ملتقطاً أنفاسه ليعود نهر الكراهية إلى التدفق .. قال : تلك هي الثورات التي ابتلينا بها ثم تأتي اليوم لتتحدث عن ثورة الشباب : أي ثورة هذه ؟! تلك التي أهت حكم مبارك فجاءت بالإخوان المسلمين !> كالمستجير من الرمضاء بالنار ؟!عندي أن حكم مبارك كان أفضل مرة من هذا الحكم “الديني ” الذي يحمل ما تحمله جبال الأرض من الفساد والكذب ، والغش ، والتضليل ، فضلا عن القتل والسحل ، وخيانة الوطن وبيعه بأبخس الأثمان . حتى قال قائل منهم : ” طظ في مصر ، وأبو مصر ، واللي في مصر ..!!..ده الشارع المصري أهبل..!!” .. كما قال آخر أنه سوف يضرب القادة منا “بالحذاء “! لم نر أسوأ من حكم الإخوان الذين ظنوا أنهم ورثوا مصر وتاريخها المجيد من مجموعة من الأتباع أتوا بهم إلى الحكم فجاءوا هم بالأهل والعشيرة ، في الصحافة وفي التعليم ، وفي الصحة ، وفي القضاء ، وفي الشرطة ولم يقف صلداً سوى الجيش في حين أنهم كانوا يعدَون العدة لتقسيمه وتحويله إلى ميليشات مأجورة تستخدمها جماعة الإخوان الدولية . وأعجب العجب أن يساعدهم الفلسطينيون ليحصلوا على ” سيناء”  وطنا قوميا لهم بدلا من ” فلسطين”  . سيناء التي حاربنا من أجلها مرتين الأولى في العهد الناصري “العظيم” عندما أضعناها في هزيمة بشعة استشهد فيها مائة وخمسين ألفا من الجنود وخمسة عشر ألفا من الضباط ، ثم حاربنا لكي نستردها وبذلنا الغالي والنفيس من أجلها، وإنتهى الأمر بمعاهدة لم يقرأها سوى السادات لأنه من الكفر الصريح أن يناقش أحد من الرعية “فرعون” المفدى فيما يفعل ، ثم جاء “صبيه” صاحب الضربة الجوية الخالدة التي ظهرت وإختفت في لمح البصر ، وبدأ يضع البلاد والعباد تحت أقدام الأمريكان ومن لف لفهم ، فحكمنا ما يقرب من ثلاثين عاماً وبدأ التنقيب في عهده فتم حفر أكثر من ألف نفق تنقل إلى “الحبيبة ” “غزة” والأحباء من أهل حماس الكرام طعام المصريين وملابسهم ، وبترولهم ، ومواد البناء ..إلخ ، ثم جاء أصحاب اللحى الذين يقسمون أغلظ الأيمان أنهم لم يكونوا يعرفون شيئاً عما تحمله الجماعة من سلاح، وأنهم لم يكونوا ينتمون إليها إلا في أوقات الصلاة على المصطفى وأحفاده فهم كراماً بررة !١ والحق أن كل ما قاله الصديق العزيز حق صراح لا يأتيه الباطل ، فمصر منذ ثورة ١٩٥٢ لم تشهد في تاريخها الطويل مثل هذا الفساد الهائل ، لم نسمع أن النحاس باشا وقف يكذب على الجماهير في خطبه ولا في الميزانية ، ولا في قوة الجيش المصري ، ولا في المشروعات القادمة ، بل سمعنا ضجة في البرلمان لأن الحكومة أرادت أن ترفع ثمن طابع البريد من خمسة مليمات إلى ستة !! ومع ذلك كان الجنيه المصري قوياً إذ كان يساوي خمسة دولارات وربما أكثر ، وكان العامة يسمون الدولار ” بالريال الأمريكاني ” لأنه كان يساوي عشرين قرشاً ..! ولم يتحدث عبد الناصر ولو مرة واحدة عن ميزانية الدولة ولم يجرؤ أحد أن يسأله ، هذا خلاف أموال الأسرة المالكة ، والتأميمات التي لم يأخذ أصحابها مليماً واحداً. ولم يسأل أحد أين ذهبت تلك الأموال ، ولقد قال ذات مرة أديبنا توفيق الحكيم لقد سمعت أ حرب اليمن كلفتنا أربعة ألاف ملايين من الجنيهات وكانت مصر تتألف في ذلك الوقت من أربعة ألاف قرية ولو وزعت هذه الملايين على القرى المصرية فنالت كل قرية مليون جنيه ، لأصبحنا سويسرا الشرق !! ولم يسأل أحد ما الذي حدث ، ولماذا كانت حرب اليمن أصلاً ؟! ذلك لأن الحاكم قد أصبح يتحلى بصفة من صفات الله ” لا يسأل عما يفعل وهم يسألون  ” [ الأنبياء ـ٣٣] ، ولم يضع عبد الناصر ولا زبانيته في أذهانهم أنه إذا أراد بناء إمبراطورية من المحيط إلى الخليج فلابد أن يعتمد على المواطن في الداخل فهو الأساس وليس على المؤامرات الخارجية .. سألت صديق ذات مرة وكان يتولى مرفق المياة : ألا تخجلون !؟ وتساءل بدوره : مم !؟ قلت: من ماسورة شبرا التي تنفجر كل أسبوع مرة على الأقل!؟ فتبسم ضاحكاً وهو يقول: إنهم يضحكون على الناس فليس هناك ماسورة في شبرا أصلاً  لكي تنفجر ، وإنما تأكلت من سنين ، وأصبح الماء يسير في التجويف الذي تركته هذه الماسورة التي كانت ؟!١ ماذا يعني ذلك ؟! يعني أنه لم تكن هناك صيانة في الداخل على الإطلاق لكن كل الاهتمامات موجهة إلى الخارج ، إلى المؤامرات والإنقلابات وأمور أخرى لا يعرفها الجيل الحالي !١ وعلى نهجه سار السادات ـ رحمه الله ـ مع تغيير الهتاف : بالروح بالدم نفديك يا سادات مع أنه قتل بين جنوده ولم يفده أحد ولو بطلقة عابرة !١ نحن نعلم هذا البلاء العسكري الذي ختمه مبارك ثلاثين سنة وبغباء شديد أراد أن يورث إبنه متشبها بحافظ الأسد وعلي صالح في اليمن الذي كان يعد ولياً للعهد ليرث التركة ، وكذلك القذافي الذي كان يشهر سيف الإسلام من بعده .. إلخ ونسى أن مصر مختلفة فهي بتاريخها الطويل لا تقبل هذا التوريث ولن يمر بين الناس بسهولة مهما حشد له من قوات وأنفق من أموال !!١ ثم جاءت الجماعة الإرهابية التي أرادت حل مشكلات مصر من الجذور بإلغاء الدولة وتحويلها إلى  إمارات صغيرة أهمها إمارة سيناء التي يجلس على عرشها سمو الأمير المفدى ” محمد بديع ” ويعمل شعبه الأبَى رعاة للغنم ، ومن ثم فعلينا تحطيم الأهرامات أو بيعها ، وبيع قناة السويس لأول مشتري ، ولماذا نضيع وقتنا في أمور تافهة بهذا الشكل ونترك أموراً أكثر أهمية كالذكر ، وقراءة القرآن الكريم ، ولقد قال يوما أخ مسلم وعالم جليل : إنني أعرف حلولاً كاملة لكل مشاكل مصر الإقتصادية وهي : لما كان قارون من قوم موسى ،وكان فاحش الثراء ، فقد أخفى كل أمواله وكنوزه من ذهب وفضة ..إلخ في البحيرة التي لاتزال تحمل اسمه في الفيوم ، فلو أننا قمنا بتجفيف البحيرة واستخرجنا ما فيها من كنوز لاستطعنا في سهولة ويسر سداد جميع ديون مصر ، وبناء مستقبل زاهر ننفق فيه بغير جهد ولا عمل ، إذ تكفينا العبادة !!١ وإذا تركنا هذا الهزل ، أيها الصديق ، فإنك عليك أن تنظر إلى المستقبل ببريق من الأمل إذ يكفي أن تقول لنفسك أن التجارب المريرة والأليمة التي مرت بها البلاد منذ ثورة ١٩٥٢ حتى الآن أفادتنا كثيراً في جانب هام جداً وخطير جداً هو الإيمان بالديموقراطية. لقد أصبح رجل الشارع ينادي بحقوقه ، وبالتمسك بالنظام الديموقراطي ويهتف بسقوط حكم العسكر ، وآخر معقل من معاقل الحكم الإستبدادي وهو الحكم الديني فيهتف أيضاً بسقوط حكم المرشد ، أن أهم مكسب ناله شعبنا أن الإخوان لن يعودوا إلى الحكم أبداً فقد سقطت كل أقنعتهم الدينية ، وشاهدنا قياداتهم تحلف بالله كذباً أنهم ليسوا من الإخوان مرة وأنهم لم يعرفوا شيئاً عما كان عندهم من سلاح مرة أخرى ! إن أعظم كسب ربحناه ، هو أن مصر بدأت تولد من جديد وإنزاحت من عليها تلك الغشاوة التي منعتها من الرؤية الصحيحة سنوات طويلة ، وود رجل الشارع أن تعود فصول محو الأمية ليتعلم القراءة حتى يستطيع أن يقرأ بنفسه دستوره فقرة فقرة ..” وهذا هو الصباح الجديد !”١ وبعدها لن تعود النفس حزينة أبداً ..!١

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

“!.. خرافة المستبد العادل”

ونحن نسعى باحثين عن نظام عادل للحكم ، ونحاول جاهدين بناء دستور جديد يحمينا من الطغاة الذين ذقنا مرارة الذل والاستعباد على أيديهم سنوات طويلة، وانتهت هذه الحقبة باستبداد ديني يكفر كل معارض ويقذف به في نار السعير في الدنيا والآخرة ـ وسط هذا الخضم العاتي من الأفكار والمذاهب والآراء ، ووجهات النظر .. إلخ . تعالت أصوات غريبة تنادي برأي “حصيف” هو أن ما نحتاج إليه حقاً هو نظام “المستبد العادل” أو ” المستبد المستنير” أو ما يسمى أحيانًا بالطاغية الخير ، أو الصالح أو الدكتاتور العادل .. إلخ. ولقد ظهر هذا المصطلح في القرن التاسع عشر في الفكر السيسي الأوربي، واستخدمه في البداية المؤرخون الألمان للدلالة على نظام معين من الحكم في تاريخ أوربا الحديث ، ونسي هؤلاء أنه عند مصطلح الاستبداد المستنير “Enligtened Despotism “  بشكل عام تلتقي مفاهيم الملكية المطلقة التي كانت معروفة في أوربا في القرن التاسع عشر مع مفاهيم عصر التنوير الذي يُعبَر عنه فلسفيًا بكلمات خمس هي (الفر دـ العقل ـ الطبيعة ـ التقدم ـ السعادة ) ومن هذاالتحالف بين الفلسفة والسلطة المطلقة تخرج سعادة الشعوب ، ومن أوربا إنتقلت إلى الشرق ـ فيما يبدو ـ عدوى ” المستبد العادل” فالحل الحقيقي الذي ارتآه       جمال الدين الأفغاني لمشكلات الشرق إنما هو نظام  ” المستبد العادل” الذي يحكم بالشورى فهو في ”   العروة الوثقى ” يرد على القائلين أن طريق الشرق إلى القوة هو نشر المعارف بين جميع الأفراد ، وأنه متى عمت المعارف كملت الأخلاق ، واتحدت الكلمة ، واجتمعت القوة “.  ويقول ردًا على هؤلاء ؛ وما أبعد ما يظنون، فإن هذا العمل العظيم إنما يقوم به سلطان قوي– قاهر يحمل الأمة على ما تكره أزمانًا حتى تذوق لذته وتجني ثمرته” .

 والملك المستبد المستنير يكون مستنيرًا بقدر ما يعتمد في حكمه ـ لا على حق الملوك الإلهي ـ بل على مفهوم العقد الإجتماعي ، عقد تبادل المنافع بين الحاكم والمحكوم، ويكاد المؤرخون يجمعون على إعتبار فردريك الثاني أو فردريك الكبير ملك بروسيا (١٧٤٠-١٧٨٦ ) أو ” الملك الشمس ” ! هو النموذج الأول للملك  المستنير ، إذ أنه كان يعتبر نفسه الخادم الأول للدولة ، ويتصرف وكأن عليه أن يقدم حسابًا عن عمله أمام مواطنيه، فيتسامح في الدين ، ويهتم بالإصلاح القضائي ، وبإصلاح التعليم ، وتحسين أوضاع الفلاحين ، ومن ثم فهو ملك ” مستنير ” من هذه الزاوية، لكنه مستبد من زاوية أخرى هي أنه ما من شخص أو هيئة لها صلاحية أو حق مراقبته أو محاسبته ، فهو لا يسأل عا يفعل وهم يسألون ! ومن هنا فقد صدق عبد الرحمن الكواكبي في قوله : ” ما من مستبد سياسي إلا ويتخذ له صفة قدسية يشارك بها الله ، أو تعطيه مقامًا ذا علاقة بالله ! ” .

ومن سخريات القدر أن يدَعي هتلر هو الآخر أنه مبعوث العناية الإلهية ـ وأن أي معارضة لفكرته عن الأجناس البشرية هي خطأ يُرتكب في حق العناية الإلهية الأزلية ، أو ضد إرادة الخالق الأزلي لأن الذي أمر برسالة ألمانيا هو الخالق الذي لا يمكن رشوته !!.

أصحيح أن ” المستبد ” يمكن أن يكون عادلًا ؟! أم أن عبارة ” المستبد العادل ” هي تناقض في الألفاظ؟ إذ يستحيل اجتماع هاتين الصفتين في شخص واحد؟ فإذا كان هذا المستبد يعترف أني إنسان ، فلابد أن يعترف في الحال أن لي حقوقًا لا يجوز التنازل عنها .. أول هذه الحقوق أن أكون حرًا وأن أمارس هذه الحرية بجميع أنواعها : حرية التعبير والخطابة وحرية النقد ، حرية التأليف والكتابة ، وغير ذلك من الحريات الكثيرة التي تنص عليها الديموقراطية . فهل يمكن لأي مستبد أن يتحمل هذه الحريات لأفراد شعبه؟ .. هل يمكن لأي مستبد إحترام الإنسان : قيمته وكرامته ..إلخ .. لقد لاحظ أرسطو بحق أنه :” لايوجد رجل حر قادر على تحمل مثل هذا الضرب من الحكم إذا كان في استطاعته أن يهرب منه !” . فالإنسان الحر لا يتحمل مثل هذه الأشكال التعسفية من الحكم إلا مرغمًا ، أعني إذا سُدَت أمامه كل أبواب الانعتاق من هذه الحكومات الظالمة التي تدعي العدالة زورًا وبهتانًا . والواقع أن عبارة “المستبد العادل “تناقض في الألفاظ. فإذا كانت كلمة ” الطاغية ” أو ” المستبد ” تعني ـ لا سيما في المصطلح الحديث ـ الحاكم الظالم أو الحكم الجائر القاسي ـ كما تقول دائرة المعارف البريطانية ـ وإذا كان الطغاة والمستبدون في نظر البعض وحوشًا بشرية ظهرت في التاريخ وحكمت شعوبها بالحديد والنار ، وإذا كان البعض الآخر يذهب إلى أنهم أمراض أو إنحرافات فكيف يمكن أن يوصف المستبد بأنه عادل أو الطاغية بأنه صالح ؟! الواقع أن هذه التعبيرات أقرب إلى تعبير الدائرة المربعة “! لأنه إذا كان من صفات المستبد أن يكون ظالًما جبارًا كما يقول الكواكبي ـ بحق ـ فكيف يمكن في حكم العقل أن يكون المستبد عادلًا؟! وكيف يمكن أن يكون مستنيرًا من يرضى أن تكون رعيته كالأغنام ؟!

فالمستبد يرغب أن تكون رعيته كالغنم دورًا وطاعة ، وكالكلاب تذللًا وتملقًا ..! لا شك أن الاستبداد يهدم  إنسانية الإنسان ويحيل البشر إلى عبيد ، وإذا تحول الناس إلى عبيد أو حيوانات فقدوا قيمهم : فلا إخلاص ، ولا أمانة ولا صدق ، ولا شجاعة ..إلخ ، بل كذب ونفاق ، وتملق ، ورياء ، ومداهنة .. ومحاولة للوصول إلى الأغراض من أحط السبل ! وهمذا يتحول المجتمع في عهد ” المستبد” إلى عيون وجواسيس يراقب بعضها بعضًا ، ويرشد بعضها عن بعض ، وليس بخاف مانراه من أخ يرشد عن أخيه ، وجار يكتب تقارير عن جاره ، ومرءوس يكتب زيفًا عن رئيسه .. إلخ ، ونحن نعرف أن المستبدين كانوا طوال التاريخ موضوعًا للكراهية والخوف ، ولم يكونوا أبدا موضوعًا للحب والإعجاب ، وهم في عرف المفكرين السياسيين ـ قدماء ومحدثين على السواء ـ مصدر شر وخراب ودمار ..!

ويجدر بنا أن نتساءل من الناحية الفلسفية الخالصة أيجوز لمستبد بالغًا ما بلغ عدله واستنارته أن يفرض على الآخرين آراءه وأفكاره بدعوى أنها في صالحهم؟ وبعبارة أخرى أيجوز لنا أن نفرض على فرد ما أداء عمل معين أو الإمتناع عن عمل آخر بحجة أن هذا الأداء أو هذا الإمتناع لصالحه ؟! ألسنا نعامل الناس في هذه الحالة على أنهم قُصَر لم يبلغوا سن الرشد بعد ؟! والجواب باختصار شديد أن الإيمان نفسه لايجوز فرضه على الناس وإجبارهم عليه : أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ..” [ آية ٩٩ يونس ] . “ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ” [٢٩ الكهف ] وإذا كان هذا المستبد يلقي بكل من ينتقد سلوكه أو أعماله في غياهب السجن فكيف يكون عادلًا أو مستنيرًا أو صالًحا .. إلخ. أليس هذا تناقضًا في الألفاظ؟!

وإذا كان الإستبداد أنواعًا وأشكالًا ، فهناك إجماع على أن ” الاستبداد الشرقي ” هو أعتى هذه الأنواع وأكثرها شراسة ، فالمستبد الشرقي يأمر المواطن بطاعة الأمر مهما يكن تافهًا : فهو واجب النفاذ وإلا أهدر دم المواطن !.

وقف الحجاج بن يوسف على المنبر ليضع أسس الحكم الإستبدادي الذي لا بديل له فقال :

“ والله لا آمر آحدًا أن يخرج من باب من أبواب المسجد فيخرج من الباب الذي يليه إلا ضربت عنقه “..!

ما أرخص عنق المواطن ، وما أشد جبروت الحاكم المستبد الذي لا يظلم أحدًا بل يطيح برووس العصاة والخارجين عن القانون الذي هو أمر الحاكم ! ها هنا نجد إلغاءً كاملًا لأدمية الإنسان : فلا نقاش  ولا استفسار بل طاعة عمياء خرساء أسوأ من طاعة العبيد ، لأنها طاعة الدواب ، أي امتهان لكرامة المواطن ، وأين العدالة التي يدَعيها هؤلاء الناس ؟!

ويقول جون لوك (١٦٣٢ـ ١٧٠٤ ) الفيلسوف الإنجليزي الكبير : “ يبدأ الاستبداد عندما تنتهي سلطة القانون أي عند انتهاك سلطة القانون ، وإلحاق الأذى بالآخرين ؟! “ فكيف يكون عادلًا ذلك الذي يلحق الأذى بالآخرين !؟ ” ويقول أيضا : “ إن الشرطي الذي يجاوز حدود سلطته يتحول إلى لص أو قاطع طريق ” !! ولقد صدق الكواكبي عندما قال ” لا عدل مع الاستبداد ” !! . فالاستبداد ـ في رأيه ـ لابد أن يعرف نفسه بأن يقول بكل وضوح : “ انا الشر وأبي الظلم ، وأمي الإساءة ، وأخي القدر ، وأختي المسكنة ..” وهو يقول عن الحرية ” بأنها شجرة الخلد ، وسقياها قطرات الدم المسفوح !!” ألا يجدر بنا أن نسارع بتدريس كتاب هذا الرجل المفكر الحر ـ عبد الرحمن الكواكبي ـ ” طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد ” في مدارسنا بوصفه نور يهدي طلابنا إلى الطريق القويم طريق الديموقراطية وسبيل الحرية !؟. فالشعوب المتقدمة هي وحدها الشعوب التي تشعر بنفسها حرة ، وتتمسك بهذه الحرية فتنتج علمًا وفنًا وفلسفة !.

الإنسان هو الحرية أو هو مقدار ما يتمتع بها ، كما عبَر ” سارتر ” في صيغة وجودية خالصة : “ لستُ السيد ، ولستُ العبد ، ولكني انا الحرية التي أتمتع بها “! ، فلنردد أذن ما يقوله الشاعر الأسباني لوركا  لحبيبته :

“ ما الإنسان دون حرية يا ماريانا ..؟

قولي لي : كيف أستطيع أن أحبك إذا لم أكن حراً؟ كيف أهبك قلبي إذا لم يكن ملكي ..!؟  

د. إمام عبدالفتاح إمام يكتب : لماذا لست إخوانيًا؟

6/10/2013   10:20 PM

د. إمام عبدالفتاح إمام يكتب : لماذا لست إخوانيًا؟

سألنى صديق إخوانى لماذا لا تنضم إلى «الإخوان»؟.. فأجبته فى إخلاص وصدق: لعشرة أسباب على الأقل- نوجزها فيما يلي:
أولاً: لأنهم يجرون وراء سراب اسمه استعادة الخلافة الإسلامية، فالتاريخ لا يعيد نفسه أبدا،ً ذلك لأنه تاريخ بشر أحرار الإرادة ويستحيل أن تتكرر أحداثه من جديد لأنه بالمعنى الدقيق تاريخ للماضى فقط، أما الحاضر فمازال يصنع فى حين أن المستقبل هو من قبيل الأحلام والرجاء، ومحاولة إعادة الماضى أشبه بشيخ فى الثمانين من عمره خطرت على ذهنه فكرة غريبة هى أن يعود شاباً فى الثلاثين فراح يحاول جاهداً تحقيق هذه الأمنية بممارسة الرياضة وتناول أطعمة معينة، وأدوية خاصة.. إلخ.. وهى كلها أوهام لا تجدي!!
ثانياً: ينتج عن هذه الفكرة الغريبة- وهى استعادة الخلافة- نتيجة منطقية أشد غرابة وهى أن ذلك يعنى أن المسلمين لا مستقبل هم، لأن مستقبلهم هو ماضيهم، وهو استعادة الماضى الذى ولى وانقضى منذ ما يقرب من ألف وخمسمائة عام!! وكل من يحاول استخراج أوجه الشبه بين الماضى والحاضر يتناسى أن هناك انبثاقاً لا نهاية له لعوامل جديدة فى كل موقف مما يجعل قياس المماثلة أمراً مستحيلاً!!
ثالثاً: لأنهم يخدعون الناس بقدر لا بأس به من التدين الزائف، ويختارون مواقف من التاريخ الإسلامى فى بدايته حيث كانت الدولة تتخلق: عمر بن الخطاب فى عام الرمادة كان يأكل الخبز بالزيت «وهل أنت عمر بن الخطاب الثاني!».
ويقوم جائعاً ويقول عبارته الجميلة «لا أشبع وهناك جائع»! فماذا فعلتم أنتم عندما وصلتم إلى الحكم؟! حاولتم تقليد الملك والحياة فى المنتزه مرة، وتقليد عبدالناصر والسادات ومبارك مرات ومرات، ركبتم المرسيدس لكم ولأهل بيتكم، وأول ما صنعه نواب الشعب المنحل أن أصبحوا نواباً للقروض، وعندما تفككت أوصالهم رفضوا إعادة القروض الى الدولة لأنهم من النخبة «شعب الله المختار» لا يجوز عليهم ما يجوز على الآخرين!
رابعاً: يتسم هؤلاء القوم بسمات واضحة منها العنجهية أثناء الحديث «والعنجهية هى الكبر والعظمة» كمن قبض على الحقيقة بجمع اليد، وكأن القرآن العظيم قد نزل لهم وحدهم، فهم الأعلم بما فيه، وكل من لف لفهم فهو مسلم صادق الإيمان، ومن خالفهم فهو كافر فاسق! ولا يعرفون شيئاً عن قوله تعالى «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة» (125- النحل:).. أو «وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما» (63- الفرقان)، وربما حفظوا الآيات عن ظهر قلب لكنهم لا يعملون بها فهى لا تتحول عندهم إلى سلوك أبداً! مع أن الحكمة المأثورة تقول: «إن الإنسان يفضحه سلوكه لا كلماته».
خامساً: لا يعرفون شيئاً عن اللسان العف فقد سمعت ثلاثة منهم يتحدثون فى التليفزيون يهددون كبار رجال المعارضة فى بلدنا بقولهم إنهم سيضربونهم بـ «الجزمة»! مع أنهم يتحدثون عن أناس أفاضل حصل بعضهم على جائزة نوبل، ولو كانوا فى بلد آخر لصنعوا لهم تماثيل الفخر والإعجاب! وهؤلاء الإخوان يتحدثون ليل نهار عن أخلاق الإسلام، فهل هذه هى أخلاق الإسلام.
وهل يجوز لنا أن نصنع صنيعهم؟! لهذا السبب لا أستطيع الانضمام إليهم!
وفى هذا السياق تجد المرشد السابق يقول عن بلده الذى رباه وعلمه «طظ فى مصر»! أنا أريد شخصاً من «ماليزيا» يحكمنى شريطة أن يكون مسلماً!! قمة الجهل والتخلف لأن من كان يحكمه منذ أشهر قليلة هو «محمد حسنى مبارك» وكان مسلماً وقبله كان «محمد أنور السادات» وقبله «جمال حسين عبدالناصر» وكانوا جميعاً مسلمين وقد حكموا بأنظمة بالغة الفساد، هدمت البلاد وحطمت العباد وقضت مصر فى عهدهم أياماً حالكة السواد.. وهم جميعاً مسلمون والحمد لله!
لقد كان الحكم الناصرى بالغ الفساد حتى كشفته الهزيمة البشعة عام 1967، وهى التى سماها النظام باسم الدلع «النكسة» التى دمرت الإنسان المصرى وأحالت الشعب الى جماجم وهياكل عظمية تسير فى الشارع منزوعة النخاع، شخصيات تافهة تطحنها مشاعر الدونية والعجز واللا جدوي!!
تلك أنظمة «إسلامية» أطاح بها النظام الإسرائيلى «غير الاسلامي» لأنه الأفضل والأقوى والأشد إخلاصاً لبلده! والتاريخ الإسلامى زاخر بأمثال هؤلاء الحكام منذ بداية الخلافة التى يلهثون وراء عودتها!! باستثناء اثنتى عشرة سنة «سنتان حكم أبى بكر وعشر حكم عمر» حيث كانت الدولة تتخلق.
سادساً: وفى استطاعتنا أن نقول إن الخلافة الإسلامية قد بدأت بالدولة الأموية معاوية أولاً وابنه يزيد والتى قامت بحد السيف ولقد وقف يزيد بن المقنع فلخص الموقف الأموى من الخلافة فى عبارة موجزة بليغة عندما جمع فأوعي!
قال:
– أمير المؤمنين هذا، وأشار إلى معاوية..
فإن هلك فهذا – وأشار إلى يزيد..
فمن أبى فهذا- وأشار إلى سيفه!
فقال له معاوية اجلس فإنك سيد الخطباء
ثم راح يأخذ البيعة ليزيد على مضض من الناس!
وكان ليزيد بن معاوية.. أخبار عجيبة، ومثالب كثيرة من شرب للخمر وقتل ابن بنت الرسول، وهدم للبيت وإحراقه وسفك الدماء والفسق والفجور وغير ذلك مما قد ورد فيه الوعيد باليأس من الغفران، على ما يقول المسعودى فى مروج الذهب!!
وكان عبدالملك بن مروان مسلماً بل تقياً ورعاً لا أفقه ولا أنسك ولا أقرأ لكتاب الله منه.. حتى سمى بحمامة المسجد لمداومته على قراءة القرآن- هذا كله قبل أن تأتيه الخلافة أفضى إليه الأمر والمصحف فى حجره، فأطبقه وهو يقول: «هذا آخر عهدنا بك».. وهكذا بدأ خلافته وكان لعبدالملك إقدام على سفك الدماء، وكان عمله على مثل مذهبه كالحجاج بالعراق، والمهلب بخرسان، وهشام بالمدينة..! إلخ.. وقد عمل ابنه «الوليد» مثله فكان جباراً ظلوماً غشوماً.. وكان هذا الخليفة يستفسر فى عجب «أيمكن للخليفة أن يحاسب؟» إلى أن جاء أخوه يزيد فأجاب عن السؤال ببساطة شديدة بأن أتى بأربعين شيخاً فشهدوا له: «أن ليس على الخليفة حساب ولا عذاب»! هذه أمثلة بسيطة من حكم الخلافة الاسلامية! ألا فليقرأ كل من له عينان!!
سابعاً: المرشد الحالى يقول على صفحات جريدة روز اليوسف اليومية «الخميس 12 مايو 2011- العدد 1768»: «سوف أربى الشعب المصرى حتى يأتينا طالباً تطبيق الحدود» مما يجعل القارئ يتساءل ألف مرة ألا يعرف هؤلاء القوم شيئاً عن عفة اللسان؟ وما بالهم يتحدثون بهذه العنجهية الشديدة؟
1- ليس تطبيق الحدود هو نهاية المطاف وبلوغ كل المني!! فقد كانت ولا تزال تطبق فى مجتمعات إسلامية ظالمة، وكان النميري- وغيره- يطبقها فى السودان فيقطع اليد ويسرق هو باليد الأخري!
2- أوقفها عمر بن الخطاب فى عام الرمادة، وكان هو نفسه يعيش على الخبز والزيت ويقول عبارته الجميلة التى نكررها مائة مرة «لا أشبع وهناك جائع!!» هل تقولون أنتم مثل هذا القول أم تسبحون فى نعيم الملايين!!
ثامناً: على الرغم من أنهم يتحدثون كثيراً عن الديمقراطية وعن المجالس النيابية مسايرة – فى أغلب الظن- للتيار الشعبى، فهم لا يعرفون شيئاً عن الديمقراطية، ودليلنا على ذلك أنهم لا يحتملون الرأى الآخر مع أن القاعدة فى الديمقراطية تقول «لا ديمقراطية بلا أحزاب»، أعنى بغير تعدد فى الآراء، كما أنهم لا يطيقون أى نقد وإنما النقد عندهم يعنى شتائم وسباباً، ولهذا لا تجد عندهم أى استعداد للحوار مع أن الآية الكريمة تقول: «وجادلهم بالتى هى أحسن» (125- النحل)، وقوله سبحانه: «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة» (125- النحل).. «أفلا يتدبرون القرآن.. أم على قلوب أقفالها» (24- محمد).
تاسعاً: لا يملون من الكذب – الرذيلة الأولى فى الأخلاق- أو هو بوابة الرذيلة فى الواقع!
– قالوا إنهم قاموا بالثورة.. وهذا كذب صريح.
– قالوا إنهم يسعون إلى تحقيق نهضة شاملة مع أنهم لا يحققون سوى أهدافهم الخاصة.
– قالوا إنهم يستهدفون تطبيق العدالة فى الوقت الذى يسعون فيه إلى «أخونة الدولة»- بالاتباع وحدهم هم الذين يعينون فى المناصب الشاغرة حتى وإن كانوا يجهلون بسائط هذا المنصب.
ولهذه الأسباب بدأ المواطن العادى يشعر بكراهية شديدة نحوهم لأنهم خدعوه من ناحية، وتجاهلوا من ناحية أخرى قوله تعالي: «كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون» (2- الصف).
عاشراً: تربوا ويربون غيرهم على أساس السمع والطاعة تماماً كالنظام العسكرى، فأنت أمام المرشد مثل الجندى أمام القائد وكل الكوارث التى ألحقت بالعالم الاسلامى بصفة عامة إنما ترجع إلى أن العسكريين يقيمون فى ميدان السياسة علاقة مع المحكومين، توازى علاقة الضباط بالجندى، والدعوة الى حكومة دينية هى الوجه الآخر لهذا النمط من الحكم الذى تلغى فيه شخصية الفرد للدمج مع الجماعة، ولقد كان ذلك واضحاً فى «الخلافة» التى يريدون منا العودة إليها ولقد أوضح ذلك الوليد بن عبدالملك فى أول خطبة له عندما قال:
«أيها الناس عليكم بالطاعة ولزوم الجماعة، فإن الشيطان مع الفرد، أيها الناس من أبدى ذات نفسه ضربنا الذى فيه عيناه، ومن سكت مات بدائه..!»
وقال عبدالملك بن مروان فى خطبته الشهيرة عام 75: «والله لا يأمرنى أحد بتقوى الله بعد مقامى هذا إلا ضربت عنقه ثم نزل».
وقال الحجاج: «والله لا آمر أحداً أن يخرج من باب من أبواب المسجد فيخرج من الباب الذى يليه إلا ضربت عنقه»!
ما أروعه من حكم وما أعظمها من خلافة، وما أرخص عنق المواطن، وما أشد جبروت الحاكم: اليوم وأمس وغداً إلغاء كامل لآدمية الإنسان، وطمس لشخصية الفرد: فلا نقاش ولا سؤال ولا استفسار بل طاعة عمياء خرساء أسوأ من طاعة العبيد، لأنها طاعة الدواب، وما الذى يفعله حكام اليوم سوى ما فعله حكام الأمس؟!
ثم يتساءلون: لماذا لا يتقدم العالم الاسلامي؟
أظنك يا صديقى لن تسألنى لماذا لا أنضم إلى هؤلاء القوم، بل لعلك تفكر أنت نفسك فى الخروج من هذه «الحظيرة» إلى الهواء الطلق!!.

أستاذ الفلسفة الدكتور إمام عبد الفتاح إمام‏:‏ من رأي منكم منكرا فليغيره حديث شريف أسيء فهمه

  • 88
  • 22:57
  • 07/11/2012
-
سهير حلمي – محاولا أن تكون الفلسفة طعاما مستساغا للجميع‏..‏ ومحرضا لإعمال العقل فالفلسفة هي فكر الفكر‏-‏ علي حد تعبيره وقد استطاع أن يذيب مذاهبها في مرجل الكتابة الصحفية بأسلوب يشف عن ثقافة عميقة وقبضة لغوية محكمة يكتنفها مسحة حزن قلما يخلو منها قلم أي أديب‏..‏ استطاع أن يهز قارئه مؤكدا أن التشخيص‏(‏ الفهم‏)‏ لابد أن يسبق العلاج‏(‏ الحلول‏)‏ فهو لا يخون عهد الفلسفة أبدا مثل أستاذه العظيم سقراط الذي تعلم منه التضحية في سبيل إبداء الرأي بحرية وتعلم من هيجل أن الخنجر لا يقتل الأفكار ولكن يقتلها فكرة مثلها ومن أستاذه زكي نجيب محمود فهم ظلال النص قبل ترجمة أي كتاب للوصول إلي مغزاه كتب في أمور شتي عن الفكر السياسي والمرأة والحب وعن فلاسفة عصر التنوير ولكن كتابه عن الطاغية يمثل درة أعماله والذي أسس فيه للمعرفة التاريخية بمراحل ظهور الطاغية عبر العصور وقد صودر في العديد من الدول العربية وإذا كان د‏.‏ إمام من دعاة الصوم عن الكلام نتيجة للثرثرة المفرطة التي نعانيها حاليا وتهافت الأفكار الذي تعج به الفضائيات‏..‏ إلا أنه في هذا الحوار يستقرئ بعض المشاهد برؤية نقدية تستثير من الأسئلة الضمنية أكثر من الإجابات وتلك شيم الحكماء الذين لا يدعون معرفة تورث يقينا‏..‏ لأنهم باحثون دوما عن الحقيقة‏..‏ وتلك هي غاياتهم المثلي‏.‏ ‏>‏ بالرغم من حالة الزخم السياسي والإعلامي‏..‏ ونجوم التنظير في كافة المجالات إلا أن الفلسفة مازالت حبيسة البرج العاجي‏..‏ فما هو السبب من وجهة نظرك ؟ الفلسفة نزلت من عليائها منذ قرون واختلطت بالشارع في المجتمعات المتقدمة‏..‏ فالفلسفة فكر ثان أو لاحق‏..‏ فالفيلسوف يبدأ عمله بعد أن ينتهي المؤرخ أو العالم فإذا بحثنا مثلا في الفضائل وسماتها من شجاعة وأمانة وصدق يأتي عمل الفيلسوف عن مبعث الالتزام الأخلاقي وهل يعود لرجل الدين أم للمجتمع انطلاقا من مبدأ المنفعة العامة مثلا فالفلسفة فكر يبحث في الفكر أو في رأس العالم‏..‏ وحيث إن العقل لم يعد له قيمة في عالمنا العربي‏..‏ لأن العقل بدون حرية لا قيمة له‏..‏ ومن ثم لم تجد الفلسفة أمامها متسعا للانتشار والشيوع‏..‏ فوظيفة العقل تتجلي في الاختيار والتمييز بين الأشياء‏..‏ فالحكام العرب عبر العهود السابقة سرقوا الوعي الذاتي للمواطن والذي يميزه عن الدواب ومنعوه من أن يرتد إلي نفسه مرة أخري‏!‏ ‏>‏ هل يمكننا إيضاح فكرة الوعي الذاتي بصورة مبسطة ؟ بالتأكيد‏..‏ فالوعي يشترك فيه الحيوان مع الإنسان‏..‏ فالحيوان يعي ما حوله من أشياء لكنه يقف عند عتبة الوعي ولا يتجاوزها لكن الإنسان يتخطي هذا الوعي‏..‏ لأنه يدرك ذلك وهو يعي تماما أنه يتناول طعامه ويستخدم حواسه‏..‏ هذا هو الوعي الذاتي فهو عملية فكرية تسير من الذات إلي الموضوع ثم تعود إلي الذات مرة أخري فيكون حوارا ذاتيا أو مع الآخرين أو فكر يتحقق علي أرض الواقع‏..‏ فالوعي الذاتي ضروري لكي يشعر كل منا بإنسانيته وحقوقه وواجباته أصبح لدينا وعي فقط بدون تفكير‏.‏ ‏>‏ ما هي أهم المساوئ من وجهة نظرك التي أفرزها غياب الوعي الذاتي ؟ قال بحدة‏:‏ الفضائل الأخلاقية بالطبع معظمها أصبح خارجيا زائفا‏..‏ تحكمه المظاهر السطحية فهي ليست متغلغلة في الشخصية‏..‏ يحكمها الخوف من وطأة العقاب أو القوانين‏..‏ بمعني أن هؤلاء الناس يمكنهم التخلي عن هذه السلوكيات والفضائل الظاهرية لو أمنوا شر العقاب لأنها ليست نتيجة لوعي ذاتي‏..‏ والأمر كذلك بالنسبة لحالة التدين الخارجي التي استشرت دون النفاذ لجوهر الدين والمعاملة التي هي المحك في العلاقات بين البشر واكتفينا بالطقوس والشعائر فقط‏..‏ في حين أن الطالب في أمريكا يدرس في كتاب المنطق أجزاء من خطاب الرئيس الأمريكي لكي يتمرس باستخراج ما فيها من تناقض وخروج علي المنطق‏..‏ فنحن لم نستفد من الفلسفة السياسية التي بدأت عند اليونان‏..‏ فنحن مجتمع يري أن الذي يفكر يتعكر‏!!‏ وما يقال علي الفرد يقال علي المجتمع‏..‏ فإذا كانت الفلسفة تدعو الإنسان للسمو من المحسوس إلي اللامحسوس وإعمال العقل‏..‏ فالأمر كذلك في المجتمعات العربية ومعظمها ينحصر اهتمامه في الجنس والطعام والشراب‏..‏ ولا يرقي بروحانية إلي لب الفنون والآداب الرفيعة والفلسفة علي عكس ما هو شائع عن روحانيات الشرق‏.‏ ‏>‏ ما تقييمك لمحاولات إحياء بعض الاتجاهات والأفكار السائدة في عصور سالفة مثلما يطالب بعض السلفيين ؟ كل فلسفة لا تمثل إلا عصرها وهي إفراز طبيعي لزمانها‏..‏ لذلك من الصعب إحياء الفلسفات القديمة أو العودة إلي العصر الأول الهجري فنحن بذلك نكون أشبه بشيخ طاعن في السن يحاول أن يرتد إلي مرحلة شبابه‏..‏ فليس منطقيا أن يصبح مستقبلنا هو ماضينا كما يحاول البعض الآن‏.‏ ‏>‏ هناك رأي يري أننا أسأنا استخدام الديمقراطية التي كانت من أهم مكتسبات ثورة يناير‏..‏ فهل توافق علي هذا الرأي ؟ لقد شهدنا العديد من الاضطرابات والاعتصامات التي كان الكثير منها موجها من فلول النظام السابق‏..‏ فالديمقراطية كفكرة فلسفية تقوم علي الممارسة وليست مجرد مجموعة من النظريات والأفكار شأنها شأن السباحة وقيادة الدراجة‏..‏ لابد من مصارعة الأمواج لكي نتمرس بها‏..‏ فالديمقراطية في بلادنا سوف تتعثر وتقع في الكثير من الأخطاء وليس مبعث ذلك الأمية والجهل والفقر كما يقال‏..‏ فالجماهير الغفيرة التي ثارت في وجه الملك والإقطاع في الثورة الفرنسية كانوا مجموعة من‏(‏ الأصفار‏)‏ كما يقول سارتر فالإحساس بالظلم حركهم كما حرك الجماهير لدينا في ثورة يناير وهكذا تحول شعب باريس لقوة عاتية اقتلعت النظام بالرغم من أنهم أميون لكنهم كانوا مسلحين بالوعي السياسي الذي بثه بينهم فلاسفة التنوير أمثال جاك روسو‏..‏ إضافة إلي أنه لا يوجد لدينا تراكم خبرات علي مستوي الممارسة الفعلية‏..‏ حتي أن فريقا يري أن عهد مبارك كان أفضل لأنهم لا يريدون دفع فاتورة التغيير وتحمل التبعات‏..‏ اعتقادا منهم أن القيادة السياسية الحالية تمتلك عصا موسي التي تحل كل المشكلات في لمح البصر‏..‏ فالوعي السياسي غائب بين النخبة أيضا‏.‏ ‏>‏ هل تخشي طغيان الأغلبية ؟ في الوقت الحاضر يصعب الاتفاق علي رأي عام حقيقي‏..‏ وتوجد جماعات صغيرة وأحيانا فردية‏.‏ ‏>‏ ولكن هذه الجماعات علي صغرها تحاول مواءمة ميزان العدالة وفقا لمفاهيمها الأخلاقية دون الاقتناع بعدالة القضاء فما هو السبيل لتغيير هذا السلوك المشين ؟ يتنهد د‏.‏ إمام بعمق ويقول‏:‏ إنه حديث ذو شجون إنها قضية قديمة قدم الفلسفة ولكن سقراط حسمها جذريا حين آثر الموت في ظل قانون أثينا الجائر علي الهروب إلي خارج البلاد وقال لتلاميذه‏:‏ إنه لو هرب إلي مدينة أخري فماذا سيفعل إذا لم تعجبه قوانينها يهرب مرة أخري ؟ فلا يصح أن يضع كل منا مفهومه أو رؤيته الشخصية للعدالة مع إقرارنا الكامل بوجود ثغرات في معظم القوانين ليس لدينا فقط ولكن في كل دول العالم يلجأ إليها الدفاع لتبرئة المتهم ومعظمها يتعلق بالشكليات بالرغم من وجود أدلة دامغة في بعض الأحيان لكن هذه الثغرات تنسف الاتهام إنها قضية الفرد بأخلاقياته في مواجهة المجتمع وقوانينه لأن براءة عشرة متهمين أفضل من إدانة بريء‏..‏ ذلك يحدث في أمريكا ومعظم الدول الأوروبية ولكنهم لا يتدخلون في الشأن القضائي فتلك فوضي عارمة‏.‏ ‏>‏ ظهرت آراء تستشهد بالحديث الشريف لإحداث التغيير المطلوب وإقرار ما تراه صالحا استنادا إلي‏:‏ من رأي منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه‏,‏ فإن لم يستطع بقلبه وذلك أضعف الإيمان ما رأيك ؟ هذا الحديث أسيء فهمه تماما فالأغلبية توقفت عند الكلمات لا معناها‏..‏ فالحديث يعني التغيير باليد بصورة مجازية لمن يقع ذلك في نطاق سلطاته مثل الأب أو الابن أو المعلم‏..‏ كل يتدخل في إطار اختصاصاته وسلطته المعنوية‏..‏ والمقصود باللسان أي الإفصاح عن الخطأ للجهات العامة المسئولة مثل القضاء ووسائل الإعلام‏..‏ ونأتي لأضعف الإيمان‏..‏ أي رفضنا لهذه الممارسات وعدم تقبلها لأن جوهر الإيمان هو ما وقر في القلب وصدقه العمل‏.‏ ‏>‏ تعد المساواة من أبرز المطالب والشعارات التي طالب بها المصريون وبالرغم من أنها من أهم أضلاع الديمقراطية لكنها مازالت منفرطة العقد‏..‏ عصية علي التجسيد علي أرض الواقع ؟ نعم المساواة التي ينشدها الناس لن تتحقق وأرجو ألا يكون كلامي صادما‏..‏ فالحديث الشائع الذي يصفنا بأننا جميعا أولاد تسعة هو محض خرافة وعدم المنطقية‏.‏ ‏>‏ كيف فالبشر متساوون جميعا في الحقوق والواجبات ؟ بالتأكيد ولكنهم يريدون‏(‏ المساواة الجائرة‏)‏ من كافة الوجوه مساواة فجة أشبه بمساواة بروكرست في الأساطير ذلك الرجل الذي كان يمتلك سريرا واحدا ويجبر غرباء المدينة علي المبيت فوقه فإذا كانوا طوال القامة قام بقطع أقدامهم وإن كانوا قصارا فهو يشدهم حتي الموت وفي الحالتين كان يقضي عليهم بالموت‏..‏ فليس المطلوب المساواة المادية في الراتب أو في الطول والوزن‏..‏ فالدين لا يقول بها والفروق والدرجات والاختلافات بين البشر نص عليها القرآن الكريم ولكن المساواة التي نعنيها تتمثل في المساواة بين البشر أمام‏(‏ القانون‏)‏ من أصغر مواطن إلي الحاكم‏(‏ رأس الدولة‏)‏ وتلك أسمي درجات الديمقراطية التي يبلغها أي شعب‏.‏ ‏>‏ لماذا تفشل دائما محاولات الإصلاح في ظل النظام السلطوي كما حدث لدينا ؟ محاولات الإصلاح التي كان يتم طرحها غير جادة‏..‏ والمواطن المصري بطبعه يخزن كالجمل حتي يفيض به الكيل وهو ما حدث حين شعر الناس بأنهم يغوصون في الرمال‏..‏ فتحركت الجماهير‏..‏ فإصلاح النظام ببساطة يعني تقويض أركانه وإحلاله وهدمه‏..‏ ولم يكن أحدا منهم ليسمح بذلك علي الإطلاق‏..‏ ‏>‏ الفوضي الشعبية التي تسيء استخدام الحرية حذر منها أفلاطون لأنها قد تأتي بالطاغية باعتباره المنقذ‏..‏ فما هي ابرز المراحل التي رصدتها عن الطاغية في كتابك الشهير ؟ كان أفلاطون هو أول فيلسوف يلتقي بالطاغية وجها لوجه ديونسيوس وكاد يقتل لولا تهريبه وبيعه في سوق الرقيق والطغاة عادة يظهرون بعد الأزمات أو الحروب والطغيان البشري بين الحكام سلسلة متوالية منذ عهد أفلاطون حتي عصرنا الحديث هتلر وموسوليني وصدام حسين وكان اليهود أول من حاول إقامة دولة دينية وصكوا مصطلح ثيوقراطية وارتداء عباءة الدين لتبرير سلطات الحكم المطلقة‏..‏ ثم جاء المسيح وأعطي ما لقيصر لقيصر وما لله لله مرورا بالعقد الاجتماعي الذي هدم نظرية الحق الإلهي للحكم‏..‏ أما مارتن لوثر زعيم الإصلاح الديني فقد اختلطت آراؤه السياسية بالإصلاح الديني وكانت كتاباته في هذا الصدد رجعية تماما تصلح مبررا للاستبداد والطغيان دون أن يعني ذلك بالمعني السياسي الدارج الآن‏.‏ ‏>‏ البعض يطالب بعودة الخلافة الإسلامية وتطبيق الحدود استنادا إلي أن مبادئ الديمقراطية والشوري والعدل أقرها الإسلام ؟ يجب أن نفرق بين الدولة الإسلامية التي أقرها الإسلام أو الصورة المثالية لهذه الدولة وبين ما حدث علي أرض الواقع فهذه المثالية تحققت في عهدي أبي بكر وعمر بن الخطاب فقط لمدة أثني عشر عاما علي مدار التاريخ حيث قال أبو بكر في بيعته‏:‏ إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني وقال عمر بن الخطاب عن المعارضة‏:‏ ويل لكم إن لم تقولوها وويل لنا إن لم نسمعها وكان هناك مخصص محدد لكل منهما من بيت المال وكانت حرية الرأي مكفولة فالبعض بايع أبو بكر وأبي البعض الآخر‏..‏ كانت هناك مراقبة ومحاسبة للحاكم واعتمد الأمر في النهاية علي أخلاق الرجلين العظيمين ولكن يجب التفريق بين‏(‏ المثال الرائع‏)‏ والواقع‏..‏ فبدأ الطغيان منذ عهد معاوية بن أبي سفيان وبدأ مسلسل البعد بين المثال والواقع وأصبحت البيعة شكلية مثل الاستفتاءات التي كانت تتم في العهود السابقة وأصبح أي معارض يرمي بالإلحاد أو الزندقة كما حدث مع ابن المقفع بل إن الفقهاء والأئمة تم ضربهم في بعض الأحيان لرفضهم تولي منصب القضاء كما حدث مع الإمام مالك وأبو حنيفة ولكن د‏.‏ السنهوري دافع عن نظام الخلافة وكان من رأيه أن الذي حدث من استبداد وفتن سياسية لم يكن مبعثه الخلافة ولكن خروج الحكام عن مبادئ وأحداث الخلافة حتي تحولت إلي ملكية وراثية مستبدة‏!‏ إضافة إلي وجود خط مشترك بين الحكم الديني والعسكري يتمثل في الطاعة التامة‏.‏ ‏>‏ ما رأيك في مشروع النهضة الذي يتبناه الإخوان ؟ الإخوان أمامهم فرصة تاريخية ليظهروا ما لهم من باع في السياسة والاقتصاد وكافة المجالات‏-‏ واعتقد أن النهضة الإسلامية عموما يجب أن يكون معيارها عدد الأفكار الفاعلة‏(‏ كيفا لا كما‏)‏ آراء جديدة في مختلف مناحي الحياة لا تعتمد علي الشكليات فالوعظ في المساجد وحده لا يكفي‏..‏ فالتربية السليمة هي الأساس لحل المشكلات الاجتماعية‏..‏ فالوعاظ يزدادون وكذلك البلطجية والمنحرفون وذلك دليل علي أن التنشئة هي الحل‏,‏ ومن الممكن أن يقوم الدعاة بإعداد خطب للمساجد في موضوعات حيوية بطريقة مثلي تترك تأثيرا ايجابيا فأنا أري أن وظيفة المنبر في الإسلام لم تتحقق حتي الآن‏..‏ فالتناقض يجعلنا دائما علي حافة الخطر وعانينا منه طويلا من خلال حكامنا‏.‏ ‏>‏ الأغلبية تجمع الإخوان في بوتقة واحدة وذلك يتنافي مع مبدأ الفرز إضافة إلي أن حديثنا عن المستقبل مازال غائما‏..‏ كيف ترصد هذا المشهد الذي ندور فيه في حلقة مفرغة ؟ حين نتحدث عن الإخوان نتحدث عن الصفة السائدة بينهم‏..‏ لكنك محقة فهم بالطبع يختلفون مثل أي جماعة سياسية في تباين اتجاهاتهم وأرجو أن تكون كلماتهم عن العدل والقضاء علي الفقر لها الأولوية في هذه المرحلة الحرجة قال تعالي‏:(‏ كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون‏)‏ أما الحديث عن المستقبل عموما فهو لا يدخل في نسيج الحياة اليومية لنا كأفراد وحكومات فنحن نعيش يوما بيوم فقد اعتدنا أن يأتي المستقبل مجهولا منفتحا أمام كافة الاحتمالات‏..‏ لذلك نترك أنفسنا للتعامل معه حسبما يستقر‏..‏ لأنه لا يأتي غالبا كنتيجة منطقية للواقع الحاضر ربنا يفرجها وحين نتحدث عن رؤية مستقبلية لأي مشروع أو مخطط‏..‏ يكون الهدف في باطنه دعائيا أكثر منه تخطيطا‏.‏ ‏>‏ ما هي الضمانات التي تمنع ظهور أي طاغية مرة أخري ؟ لا توجد أي ضمانات إلا الديمقراطية التي وصفها فوكوياما بأنها نهاية التاريخ لأننا لم نعرف نظاما سياسيا أفضل منها علي وجه الأرض حتي الآن‏..‏ فالسلطة عموما تنمي المساوئ لدي بعض الأفراد فهي اختبار قاس ولكن المعضلة لدينا أن رجل الشارع بحكم همومه وكربه الدائم وأزماته المتوالية يبحث عن‏(‏ المخلص‏)‏ لكي يريح نفسه من التفكير‏.‏ ‏>‏ لماذا صودر كتابك الطاغية في بعض الدولة العربية ؟ لأن معظم الحكام العرب ضد الثقافة ولا يقرأون ولا توجد دولة عربية منفتحة فكريا ولا يوجد مفكر كبير أو فيلسوف أمام الطاغية‏..‏ وفي بلادنا أطلق عليهم الرئيس السادات كلمة‏(‏ الأفندية‏)‏ في إحدي خطبه‏..‏ أما الطاغية الأعظم فهو هتلر بالطبع‏..‏ ذلك الرجل الذي أراد أن يحكم العالم‏..‏ كان ذكيا لماحا جاء من أقواله النادرة الصحيحة‏:‏ إن الحاكم الغبي هو الذي يصطدم بالدين والأفضل أن يترك الناس يدينون ويتدينون كما يشاءون‏.‏
   Email: dr.emam2008@gmail.com                                                   تجربتي مع هيجل
تأریخ النشر: 11/01/2011 : 18:40:16
الكاتب : إمام عبد الفتاح إمام
تجربتي مع هيجل مريرة وممتعة في أن واحد بدأت منذ فترة مبكرة ،كيف وصلت الي هيجل؟

تخرجت من أداب القاهرة عام ، وسجلت أطروحتي للماجستير عام 1958 تحت عنوان ” المنهج الجدلي عند هيجل “: وشمرت عن ساعد الجد ، وشرعت في قراءة نصوص هيجل لمدة عامين دون أن أفهم شيئا كان أول كتاب عثرت عليه وبطريق الصدفة هو ظاهريات الروح لهيجل – ترجمة سير جيمس بيكي فلجأت الي التفسيرات والشروح . لكني لم أتقدم خطوة واحدة ! ولم تكن صعوبة الفهم راجعة الي وعورة النصوص الهيجلية وحدها ، ولا الي اللغات كنت أقرأ بها فحسب . وأنما كانت تعود أساسا الي عامل لم أتبينه بوضوح الا بعد فترة طويلة ، وهو أنني أقدمت علي قراءة هذا الفيلسوف بعقلية أرسطية ، بمعني أنني كنت أفهم جميع المصطلحات الفلسفية التي أستخدمها هيجل علي نحو ما فهمها المعلم الاول .( وتراثنا ، ومعاجمنا الفلسفية اليونانية عموما – ولأرسطو خصوصا بالشئ الكثير ). ولم أدرك وقتها أن هيجل – كأي فيلسوف عظيم – نحت لنفسه مصطلحات جديدة من ناحية ، وحوًر في معاني المصطلحات القديمة لتناسب أغراضه الفلسفية من ناحية أخري . ولنتوقف قليلا لنضرب بعض الأمثلة :- ” المجرد والعيني ” يقول :” أن التجريد abstraction يعني في المنطق الذي تعلمناه :” عملية ذهنية يسير فيها الذهن من الجزئيات والأفراد الي الكليات والأصناف “. أن التجريد يقال في مقابل الحقائق المحسوسة. والمجرد هو ” ما عُزل ذهنيا” ، وهو يقابل المُعيَن المحسوس،والذهن هو الذي يأخذ الصورة المجردة من المادة ولواحقها وهي الكم والكيف والأين ..” . أما العيني فهو المشخَص في مقابل المجرد،أو الخارجي في مقابل الذهني، فهو ما قام بنفسه أو ما يدرك بإحدى الحواس ولذلك نسب الي العين . ومصلحات مثل ” التجريد – المجرد – العيني ” هي مصطلحات غاية في البساطة ، فضلا عن أنها شائعة في كتب الفلسفة . غير أن ما تذكره لها المعاجم الفلسفية من معني . يبعد أشد البعد عما يفهمه ” هيجل ” منها . ولو أنك قرأت النصوص الهيجلية وفي ذهنك هذه المعاني “القديمة” فلن تفهم شيئا مما يقوله هيجل . فليس المجرد عنده هو ما يجرده ذهن الانسان من الشئ الحسي ،وليس العيني هم ” ما تراه العين ” من أشياء ” مشخصة ” أو محسوسة ، بل الافكار المجردة هي الأفكار التي عزلت من سياقها المناسب . ولهذا كان التجريد خطرا علي التفكير الخصب المثمر . كما أن العينية في التفكير جوهرية للحقيقة ،ولنضرب لذلك مثلا : لو أنك تناولت فكرة الوجود وحدها ،لكانت فكرة مجردة ، لا بسبب أنها جردت من الاشياء الحسية ، بل لأنها عزلت من سياقها المناسب الذي ينبغي أن توضع فيه وهو أتحادها المستمر في فكرة العدم . فلا ” وجود ” بغير عدم . وقل الشئ نفسه عن فكرة ” العدم ” فهي وحدها تصبح معزولة بهذا المعني عن الوجود ولهذا فهي فكرة مجردة . في حين تكون ” الصيرورة ” هي ” الفكرة العينية” لأنها مركب الفكرتين السابقتين . هكذا نجد أن العينية ليست ما تراه العين بل هي الفكرة الشاملة التي تضم في جوفها فكرتين أخرتين ، تكون كل منهما – بمفردها – فكرة مجردة . وفضلا عن ذلك فكل شئ له – في نظر هيجل – جوانب متعددة ، ومن ثم كان التجريد تعبيرا عن وجهة نظر الفهم وحيدة الجانب : فلإنسان ، مثلا ، ليس عاقلا فحسب ، لكنه كذلك حيوان ، واجتماعي ، متدين ، وعاطفي ، وفان … الخ ومن ثم فإن عزل جانب واحد – كأن نقول أن “الإنسان عاقل” أو “متدين” …الخ هو عملية تجريد… !  ومالم نعي ذلك جيدا ، فلن نفهم أبدا ما الذي يعنيه هيجل في مقاله : “من هو المفكر التجريدي؟” . عندما ينتهي إلى أن رجل الشارع هو هذا المفكر التجريدي ، لأنه – في تفكيره – يقوم بأعلى ألوان التجريد عندما يلجأ إلى عزل جانب واحد من جوانب الحياة الخصبة ويجعله موضوع الحديث أو التفكير ! غير أن الأمر لا يقتصر على استخدام المصطلحات القديمة بمعان جديدة بل يتعداه إلى نحت مصطلحات جديدة يستخدمها هو بطريقته الخاصة أو ربما استمدها من ألدب أو التاريخ أو غيرهما من مجالات الثقافة في عصره ، من ذلك المصطلح العسير الترجمة Begriff الذي يترجمه “انوود” في هذا المعجم بالتصور Concept ويترجمه كذلك ت.م.نوكس T.M.Knox بهذا المصطلح نفسه في ترجمته “لأصول فلسفة الحق” . مع مناقشته لهذه الترجمة . وبترجمة سير جيمس بيي sir J. Baillie (1) وكذلك وولاس w,wallace وستيس w.t,bailie , وكذلك ولاس وتيس w,t وغيرهم . بالفكرة notion . وقد أثرنا أن نترجسة بالفكرة الشاملة “…. كما فعلنا في جميع النصوص الهيجلية التي قمنا بترجمتها . وذلك الثلاثة أسباب هي :  (1) الكلمة مأخوزة من الفعل الالماني begrifen الذي يعني فهما شاملا . ومن ثم فترجمتها بالفكرة الشاملة أقرب الي المعني الاصلي . (2) الفكرة الشاملة هي بأستمرار ” فكرة عينية ” بالمعني الذي فيما سبق أغني أها الفكرة تشمل في جوفها أفكارا أخري . (3) والسبب الثالث أن التصور في اللغة العربية هو إدراك اللغة العربيةذهني متميز من الجزئيات التي تصدق عليها ، أو أستحضار صورة في الذهن ” … الي أخر المعاني التي تبعد تماما عن المعني الهيجلي . ولقد بدات قصتي مع الجدل منذ أكثر من عشرين عاما حين جذبني ما فيه من غموض وإبهام وما يقال عنه من أراء تتوخى القصد والاعتدال على الاطلاق فبدأت – يحدوني أمل في الوقوف على معناه في إعداد خطة لدراسة هذا الموضوع في بحث لدرجة الماجستير كان عنوانه “منطق الجدل” سرت معه أينما سار : منذ بدايته الأولى عند اليونان حتى يومنا الراهن ، غير أن هذا البحث لم يكتب له أن يشهد ضوء النهار فقد اعترض عليه في ذلك الوقت بأنه وإن كان يصلح للدكتوراه فإنه يغطي أرضا أوسع بكثير مما ينبغي أن تكون عليه رسائل الماجستير ويرجى لهذا السبب- اختصاره والاقتصار على فترة واحدة من تاريخ الجدل الطويل. وما كان هيجل بما له من عمق واتساع وشمول ونفاذ يصلح نقطة التقاء يصب عندها تيار الجدل القديم وينبع منها تيار الجدل المعاصر حيث تضرب جذوره في أغوار الماضي السحيق وتمتد أثاره إلى الحاضر والمستقبل – فقد جعلت من الجدل الهيجيلي موضوع بحثي للماجستير الذي كان عنوانه “المنهج الجدلي عند هيجل”. لكن الرغبة القديمة ما زالت تعتمل في نفسي وتضغط في إلحاح متدارك عنيد – حتى تحايلت في ذلك البحث لدراسة الجدل عند القدماء فمهدت للجدل الهيجيلي بدراسة طويلة لمصادرة عند زينون وجورجياس وسقراط ، وأفلاطون وأرسطو ثم عرضت لاسبينوزا وكانط وفشته وشيلنج من فلاسفة العصر الحديث وبعد هذه الدراسة وقفت وقفة طويلة عند الجدل الهيجيلي استغرقت البحث كله . – هل الجدل الاصل وهيجل الفرع أم العكس ؟ – هل التحايل تأكيد للأهتمام بالجدل أم خوف علي المادة العلمية المستحدمة ؟ – وتناول أمام عبد الفتاح أمام في ” المنهج الجدلي عند هيجل ” المنطق . فالمنهج الجدلي هو المنطق نفسه ، وليس صورة طبقها هيجل في المنطق الكلي يوضح ذلك يعرض الفلسفة هيجل ووضع المنطق وموضوعه والعوامل المختلفة التي شكلت منهجه . ويعد أقسام هيجل الثلاثة : المنطق أو علم الفكرة الشاملة في ذاتها لذتها ، وفلسفة الطبيعة أو علم الفكرة الشاملة في الاخر : فلسفة الروح أو علم الفكرة الشاملة وقد عادت من الاخر الي نفسها . وهذه الجوانب ليست الا تحديدات لفكرة واحدة أو لنسق العقل الذي يفضي نفسه في صور مختلفة “. يعرض للمنهج الذي تسير عليه هذه الفلسفة في دراستها للموضوع ، وهو المنهج الجدلي ، والعلم الذي يختص بعرض هذا المنهج الذي يختص بعرض هذا المنهج هو علم المنطق ( ص 19 ). ويستشهد بفقرات من : الظاهريات ، فلسفة الحق ، الموسوعة ، ليوضح في أن المنطق هو العلم الذي يعرض المنهج ( ص 21-22 ) موضحا ان جميع المبادئ والاسس والقواعد التي تحدد سير المنهج الجدلي هي نفسها دروس رئيسية في المنطق . ويشير الي ثلاثة عوامل كان لها اثرها العميق في تكوين الفكرة العامة لمنهج لجدلي : هي ” اللاهوت ، والفلسفة ، تيار العصر . ويعرض لكل منهما بالتفصيل يتوقف عند الفلسفة اليونانية عند كل من : زينون الايلي ، كانط ، فتشة ، شلبنج . ويتمثل تيار العصر في ثورة التنوير والثورة الفرنسية ، والحركة الرومانتيكية . ويتكون الباب الثاني ” شعاب الطريق ” من فصلين الأول المنهج الجدلي ونظرية المعرفة ” إذا كانت الفكرة الشاملة هي التعبير الشامل عن العقل فأنها صورة عليا لا يصل إليها العقل الا بعد أن يقطع طريقا طويلا يكشف فيها عن نفسه في صورة متعددة تمثل درجات من المعرفة ، فالعقل يكشف عن عقله من خلال : الإحساس ، الإدراك الحسي ، والفهم فيعرض أولا لمرحلة الوعي المباشر : الوعي الحسي أو اليقين الحسي . الإدراك الحسي ، الفهم  وثانيا : الوعي الذاتي وثالثا مرحلة العقل . وهو يلخص ما وصلنا إليه بإيجاز في النقاط التالية : طبيعة المنهج الجدلي أنما توجد إذا توجد إذا ما حللنا طبيعة العقل ، وطبيعة العقل هي الفكر . الفكر عبارة عن مجموعة من التصورات ، علي أنواع : أدناها التصورات الحسية وأعلاها التصورات العقلية الخالصة أو المقولات . التصور – أيا كان نوعه – عبارة عن حركة ثلاثية ( أيجاب وسلب وجمع بينها). والفكر كله يتكون من الحركة الثلاثية ، وهي حركة طبيعية باطنية بمعني أن عناصرها ليست ألا تفصيلات ذاتية أو لحظات داخلية . توسم هذه الحركة الثلاثية بسمات خاصة بمكونات العقل :  (1) فالجانب الأول فيها هو جانب الفهم . (2) و الثاني هو جانب العقل السلبي . (3) والثالث هو الثالث هو جانب العقل الإيجابي . توصف هذه الجوانب أيضا بالمباشرة والتوسط والمباشرة التي دخلها السلب – علي التوالي . ليس الفكر ذاتيا وأنما هو فكر موضوعي . إذا خلصنا الفكر من انغماسه في المحسوسات ودرسناه في طبيعة الخالصة كنا أمام المنهج الجدلي في صرامته المنطقية الكاملة . يعرض الفصل الثاني ” المقولات ” في 20وم فقرات : ما المقولة ، أضلاع المثلث الجدلي بداية الطريق ، وخاتمة يناقش فيها مسألتين الأولي هي الفكرة التي شاعت حول إنكار هيجل لقانون عدم التناقض والثانية هي فكرة كوجيف عن الجدل الهيجلي . يطلق أمام علي الباب الثالث طريق الجدل في فصول ثلاثة هي : الوجود ، الماهية ، الفكرة الشاملة . يتناول في الفصل الاول الوجود في فقرات ثلاثة هي : الكيف ، الكم ، الدرجة .- يعرض في الكيف للوجود الخالص ، العدم ، الصيرورة والوجود المتعين والوجود للذات . وفي الكم : الكم الخالص ، الكمية ، الدرجة ثم القدر ويدور الفصل الثاني علي الماهية ، الماهية باعتبارها أساسا للوجود ، الظاهر الحقيقة الواقعية أو الوجود بالفعل . والفصل الثالث الفكرة الشاملة : الفكر الذاتي الفكر الموضوعي ، الفكرة .الباب الرابع : نتائج وأثار في فصلين : الاول الجدل الماركسي والثاني نقدة وتقدير المنطق الهيجلي بين أنصاره وخصومه . من الطبيعي إذن أن نكمل بقية الشوط ونواصل السير في نفس الطريق لكي نقف علي ” تطور الجدل بعد هيجل ” حتي تكتمل دراسة هذا الموضوع الغامض الهام معا فنسد بذلك فراغا مؤكدا – أو هذا ما نرجوه – في المكتبة الفلسفية العربية ومن هنا موضوع بحثنا الحالي . وعلينا أن نلاحظ منذ فاتحة البحث أن كلمة ” التطور ” هنا لا تعني أي تصوزر تقدمي وأنما هي تعني أساسا تحديد ” مسار الجدل بعد هيجل “. غير أن مسار الجدل بعد هيجل أو تطوره يشمل ميدانا فسيحا للغاية فكيف نحدده وما المنهج الذي سنسير عليه في دراستنا للجدل بعد هيجل ؟ والواقع أننا ما دمنا نكتب عن الجدل بعد هيجل فلابد أن يكون منطلقنا هو الجدل الهيجلي نفسه . وإذا كنا قد أنتهينا في بحث ابق الي القول بأن الجدل الهيجلي هو حوار العقل الخالص مع نفسه حوارا يفض فيه مكنونه بحيث تتوالد مقولاته بعضها من بعض بنظام خاص فمن الطبيعي أن يكونة السؤال التالي : ما الذي حدث لهذه القضية بعد هيجل ؟ وإذا كان العقل الخالص عند هيجل ينتقل بمقولاته ونسيجه الجدلي الي ضده في الطبيعه، ثم يكون الانتقال التالي الي مركب يجمع بين الطبيعة والمنطق أو العقل الخالص وهو الانسان الذي يجمع بين الروح والمادة ، فمن الطبيعي أن يكون السؤال بشكل أوسع ما الذي حدث للجدل في هذه الميادين الثلاثة : الميدان العقلي ثم ميدان الطبيعة ، وأخيرا مجال الانسان ، وأن يكون المنهج الذي نستخدمه منهجا جدليا أساسا بحيث نتتبع جدل الفكر أو العقل الخالص ثم ننتقل منه الي جدل الطبيعة وننتهي في النهاية الي جدل الانسان وبحيث يكون سيرنا في كل ميدان من هذه الميادين انتقالا من قضية موجبة الي نفيها ثم الي مركب يجمع بين القضية الاولي والسلب – أعني أن سيرنا سوف يكون بدوره جدليا ثلاثيا . وعلي أساس هذا ينقسم بحثنا ثلاثة أقسام رئيسية أو ثلاثة كتب كبري جعلناها علي النحو التالي : الكتاب الاول : وهو يعني اساسا ببدراسة جدل الفكر ويحاول أن ييتبع مسار الجدل في ميدان العقل الخالص وهو كتاب يشتمل علي ثلاثة أبواب يدرس يدرس الاول منها الفكر من زاوية الذات أو الفكر الجدلي بوصفه تمثلا وهو ميدان يتجلي أوضح ما يكون عند الفيلسوف الفرنسي أوكتاف هاملان ( 1851-1907)  وهو يعني أساسا بدراسة الفكر ويحاول أ يتتبع مسار الجدل في ميدان العقل الخالص وهو كتاب يشتمل علي ثلاثة أبواب يدرس الاول منها الفكر من زاوية الذاتأو الفكر الجدلي بوصفه تمثلا وهو ميدان يتجلي أوضح ما يكون عند الفيلسوف الفرنسي أو – أوكتاف هاملان (ثم الفكر من زاوية الموضوع أو الفكر بوصفه خصائص أساسية للوجود علي نحو ما أهتم به الفيلسوف الانمجليزي ” جون اليس متكاجارت ” (1866-1925) . وإذا كان الجدل عند هاملان يهتم بدراسة الافكار من زاوية المعرفة علي حين أن مكتجارت يهتم بدراستها من زاوية أنطلوجية فأننا نصل في الباب الثالث الي مركب منها أو دراسة الفكر من زاوية الذات والموضوع في أن معا كما يتجلي أوضح ما يكون في جدل المشاركة عند الفيلسوف الفرنسي لوي لاقل ( 1883-1951)  في الكتاب الثاني : وينتقل من دراسة الفكر الخالص وينتقل من دراسة الفكر الخالص الي الطبيعة ” جدل الطبيعة ” وهو يشمل علي ثلاث قضايا ” قضية أيجابية وهي أثبات جدل لل طبيعة أو الفلاشفة الذين يدافعون عن جدل للطبيعة . وعلي الرغم من أن هذه القضية يدافع عنها تيار ماركسي يتربع علي قمته فردريك انجلز ، فأننا سوف نهتم أساسا بالملركسين المعاصرين . أما الضلع الثاني في هذا المثلث وهو هذه القضية فهو يشمل حجج الذين ينفون وجود جدل للطبيعة لاسيما سارتر وهيبولت من الفلاسفة الفرنسيين المعاصريين . نختتم هذا الكتاب بمركب يثبت وجود جدل الطبيعة ولكنه ليس كالجدل الذي يقول به الماركسيون وأنما هو جدل يرتكز أساسا علي المفاهيم العلمية عن الطبيعة كما يتجلي عند الفيلسوف الفرنسي المعاصر ” جاستون بشلار “( 1884- 1962) . ومه الكتاب الثالث يصل الي مركب الفكر والطبيعة أعني الي ” الانسان “، لا يعالج فكرا خالصا ولا يعالج طبيعة خارجية فحسب وأنما هو يدرس الفكر حين يلتقي بالماادة أي يدرس الانسان عنوانه ” جدل الانسان ” وكما أن الجدل في فلسفة الروح الهيجلية يبدأ بجدل الروح الذاتي الذي يسعي حيثيا للخروج من الطبيعة ويتمركز حول ذاته ثم ينتقل الي الروح الموضوعي الذي يدرس المجتمع ونظمه وقوانينه ثم ينتهي بجدل الروح المطلق ، فكذلك فهو يبدأ بجدل الذاتية أو جدل العواطف أو الانسان من الداخل ىكما يتجلي عند الفيلسوف الدينمكاركي ” سورين كيركجور ” في الباب الاول ثم ينتقل الي جدل الروح الموضوعي أو الانسان من الخارج كما يتجلي ذلك بوضوح عند ماركس وهذا موضوع الباب الثاني ، ثم ينتهي بالباب الثالث والاخير الانسان من الداخل ومن الخارج معا ، أو محاولة التوفيق بين الوجودية والماركسية كما يعرضها علينا جان بول سارتر في ” نقد العقل الجدلي ” وعلي هذا النحو يكتمل البناء المعماري لتطور الجدل بعد هيجل . وإذا كنا قد بدأنا بحثنا يحدونا الامل في أن نجيب في النهاية عن هذا السؤال العنيد : ما المقصود بالجدل ؟ فأننا سوف ننتهي الي خاتمة نحاول أن نعرض فيها جانبين الاول هو تقييم نقدي لتطور الجدل بعد هيجل ثم الخيوط التي نعتقد أنها لازمة للفكر الجدلي أو الخصائص العقل الجدلي كما نتصوره . الجزء الاول :مبدئى اساسية  الفصل الاول : المثالية اليونانية وهيجل الثانى الفلسفة الحديثة وهحق الثالث هيجل  الجزء الثانى : المنطق  القسم الاول : تواية الوجودية :ف1الكيف ف2الكم ف3القدر  القسم الثانى : نظرية الماهية :بوصفها اساس للبعد العينى /ف2 الظاهر /ف3البعد القسم الثالث : نظرية الفكرة الشاملة ف1 الفكرة الشاملة الذاتية / ف2 الحكمة /ف3  القسم الرابع : القياس ف1 القياس /ف2 الموضوع أو الفكرة الشاملة الموضوعية /ف3 الفكرة  الجزء الثالث : فلسفة الطبيعة  الجزء الرابع : فلسفة الروح : مقدمة  القسم الأول : الروح الذاتي : الفصل الأول : الأنثربولوجي – النفس : النفس الطبيعية – النفس الشاعرة أو الحاسة – النفس الموجودة بالفعل . الفصل الثاني : الفينومينولوجيا – الوعي : الوعي الأصيل / الوعي الذاتي / العقل . الفصل الثالث : علم النفس – الذهن : الذهن النظري ، الذهن العملي ، الذهن الحر . القسم الثاني : الروح الموضوعي : الحق المجرد / الأخلاقية / الأخلاق الاجتماعية  القسم الثالث : الروح المطلق . الفصل الأول الفن / الدين / افلسفة  زكي نجيب وستيتس ص6 الواقع أننا لا نسطيع أن نفهم الفلسفة الهيجلية علي نحو دقيق ما لم نلم بطريقة علي الاقل من أحداث هذا العصر تلك هي الفكرة التي يستشهد بها أمام عبد الفتاح أعتمادا عي ما كتبه هيجل نفسه في تصدير فلسفة الحق . فكل منا ابن عصره وكذلك من الحمق أن نتصور إمكان تجاوز الفلسفة لعصرها الخاص ( ص 21 ) لذا يعرض علينا جدولا بأهم الاحداث التي وقعت في عصر هيجل (2،35)  ثالثا : دراسة لفلسفة التاريخ  1- محاضرات في فلسفة التاريخ هي أسهل مدخل للفلسفه الهيجلية (ص 39) الاصلي ، التاريخ النظري ، التاريخ الفلسفي . 2- طرق الكتابة التاريخية : وقد حصرها هيجل في ثلاثة هي : التريخ الاصلي ، التاريخ النظري ، التاريخ الفلسفي . أولا التاريخ الاصلي : الذي يكتبه المؤرخ وهو يعيش الاحداث  ثانيا : التاريخ النظري : الخاصة التي تميز هي أن المؤرخ الذي يعيش الاحداث التي يرويها أنما هو يتجاوز العصر الذي يعيش فيه لكي يؤرخ لعصر أخر . ثالثا : التاريخ الفلسفي : دراسة التريخ من خلال الفكر لأن التاريخ هو تاريخ الانسان والفكر جوهري بالنسبة اليه ، فالعقل يحكم التاريخ . يحدد ثلاثة عناصر أساسية تفسر ما يعين بقوله العقل يحكم التاريخ هي : 1- ماهية العقل ، أو ما المقصود بالعقل . 2- الاساليب أو الطرق التي يستخدمها العقل لكي يتحقق . 3- الصورة التي يتحقق فيها النهاية . 4- وأخيرا بعرض للأساس الجغرافي للتاريخ  كلمة نقد  وبعد الرحلة الطويلة مع الفيلسوف العملاق نقف وقفة قصيرة لنسوق بعض الاعتراضات التي يمكن أثارتها دون التقليل من أهمية العمل الذي قام به هيجل والذي يعترف بها النقاد أنفسهم مثل ولش WALSH في كتابة مدخل لفلسفة التاريخ . وهو مع تسليمنا بذلك الا أنه يشير الي بعض الثغرات في فلسفة التاريخ الهيجلية علي النحو التالي :- أولا :- كيف يكون البرهان علي القضية الاساسية التي يسوقها هيجل وهي ” العقل يحكم التاريخ ” منتميا الي مجال الفلسفة والمنطق بصفة خاصة – يقول لنا أنها مستخلصة من دراسته لتالريخ العالم ، وأننا لو درسنا الوقائع التاريخية فسوف يتمثل التاريخ أمامنا بوصفه مسارا عقليا ؟ ثانيا :- أن هيجل قد عرف الشئ الكثير عن المسار الذي ينبغي أن يسلكه التاريخ قبل أن يعرف وقائع تاريخية علي الاطلاق ؟ لأنيعلم منذ البداية أن التاريخ هو تقدم الوعي بالحرية . ثالثا : يستنتج من ذلك أستنتاجا هاما هو : أذا كان هيجلمنذ البداية أن التاريخ هو تقدم الوعي بالحرية فأن المراحل التي تمثلها لابد بالتالي أن تكون مراحل تدريجية في تقدم هذا الوعي ، بمعني أن الشرق لابد أن يكون ممثلا لمرحلة دنيا عما تمثله الحضارة اليونانية ، لا لأن وقائع التاريخ تقول ذلك ، بل لأن سير الوعي يحتم ذلك . رابعا : يقف عن حديث هيجل عن نظام الطبقات المقفلة في الهند أن النظر الي الامتيازات بين الطبقات علي أنها طبيعية يجعل الرابطة في المجتمع عشوائية ونشاطا عاجزا عن أن ينشئ تاريخا ، لأنه يؤدي الي استبعاد عنصر الأخلاق . ويطرح سؤال ألم يكن نظام الرق عند اليونان قأئما علي أمتيازات طبيعية وهي أدي ذلك الي أختفاء عنصر الأخلاق من الحياه اليونانية ؟ الأ يعد هذا التناقض نقطة ضعف في مفهوم ” التاريخ ” عند هيجل ، وفي تعليله لطريقة ظهور التاريخ ، وللأمم التي يوجد لها تاريخ …؟  خامسا: أحاديث هيجل عن الهنود الحمر ، وعن الزنوج ، تثير السخط والخنق وتمثل نظرة غير أساسية علي الأطلاق ، ويمكن أن نسوق عليها الملاحظات التالية :- معلومات عن ضعف بنية الهنود الحمر كلها خطأ كلامه عن كسلهم ، لا أساس له من الصحة توجد عنصرية أوربية فظيعة في كلامه عن ضرورة مضي وقت طويل حتي يبث فيهم الأوربيون ” الاستقلال”  أحكام عن الزنوج غير صحية تسليمه بأن من البديهي أحضار ايدي عاملة زنجية مادام الهنود الحمر ( في نظره ) ضعفاه حتي يمكن استخدام في الاعمال التي ينبغي أن تتم في العالم الجديد ‍‍‍‍‍‍ أن نظرة هيجل في هذا الموضع تصبح غير انسانية علي الاطلاق ، بل أكاد أقول أنها تفترب مما نسميه بتعبيرها الحالي بالروح الاستعمارية . قد تبدو هذه الانتقادات جميعا مجرد ( هفوات ” وقع فيها هذا الفيلسوف العظيم ، ولكنها لا تقلل من شأن هذا العمل الضخم ، الذي نرجو أن نعرض بقيته علي القارئ الربي في أقرب وقت ، حتي يتسسني له أن يحكم بنفسه علي هذا العمل ؛ وعلي صاحبه ، الذي يشرفنا أن نقدم له اليوم أول نص من نصوصه ينقل – علي ما نعلم – الي اللغة العربي . هيجل : محاضرات في فلسفة التاريخ مقدمة عامة  أولا هيجل حياته ومؤلفاته تمهيد  يشير إلى ثلاث أفكار رئيسية تكشف عنها فلسفة التاريخ الهيجيلية ، كما تكشف عنها جوانب فلسفته الأخرى ، وهي تبين لنا مدى أخطائنا النظرية من ناحية وحاجتنا إلى دراسة هيجل بعمق من ناحية أخرى . الأولى : هي أن الممكنات أغزر وأرحب من الواقع ، ذلك أن الواقع يكشف لنا دائما عن جوانب ناقصة ، وبعبارة أخرى فإن الواقع الحاضر يحمل في باطنه قدرا من الإمكانات أكثر ثراء وخصوبة مما هو قائم بالفعل . الثانية : هي أن الواقع زائف أو هو لا يمثل الحقيقة النهائية ، فالوقائع المعطاة التي تبدو للذهن العادي مظهرا إيجابيا للحقيقة ، هي في واقع الأمر سلب لهذه الحقيقة حتى أننا لا نستطيع الوصول إلى الحقيقة إلا بهدمها . الثالثة : هي الاعتزاز بالعقل بحيث تكون بشرا على الأصالة بقدر ما يتغلغل العقل في حياتنا 2- ثم يعرض لحياة هيجل تحت عنوان نسيج المتناقضات 3- شقيقته تروي البداية 4- هيجل في توبنجن 5- هيجل في برن 6- هيجل يكتب في بينا المقالات السبعة الأولى 1801 –1807 ، 7- الزواج والاستقرار 8- قمة المجد : هيجل في برلين  ثانيا عصر هيجل  الواقع أننا لا نستطيع أن نفهم الفلسفة الهيجيلبة على نحو دقيق ما لم نلم بطرف على الأقل من أحداث هذا العصر . تلك هي الفكرة التي يستشهد بها إمام عبد الفتاح إعتمادا على ما كتبه هيجل نفسه في تصدير فلسفة الحق . فكلا منا ابن عصره ، كذلك الفلسفة هي عصرها ملخصا في الفكر . وكما أن من الحمق أن نتخيل إمكان تجاوز الفرد لعصره فكذلك من الحمق أن نتصور إمكان تجاوز الفلسفة لعصرها الخاص (ص 21). لذا يعرض علينا جدولا بأهم الأحداث التي وقعت في عصر هيجل (22-35)  ثالثا : دراسة لفلسفة التاريخ. 1- محاضرات في فلسفة التاريخ : هي أسهل مدخل للفلسفة الهيجيلية (ص39) 2- طرق الكتابة التاريخية : وقد حصرهافي ثلاثة هي : التاريخ الاصلي ، التاريخ النظري، التاريخ الفلسفي . 3- أولا : التاريخ الاصلي : الذي يكتبه المؤرخ يكتبه وهو يعيش الاحداث  4- ثانيا : التاريخ النظري : الخاصة التي تميز هي أن المؤرخ الذي يعيش الاحداث التي يرويها انما هو يتجاوز العصر الذي يعيش فيه لكي يؤرخ لعصر أخر .  5- ثالثا : التارريخ الفلسفي دراسة التاريخ من خلال الفكر لان التاريخ هو تاريخ الانسان والفكر جوهري بالنسبة اليه ، فالعقل يحكم التاريخ . 6- يحدد هيجل ثلاثة عناصر اساسية تفسر ما يعنيه بقوله العقل يحكم التاريخ هي:  1- ماهية العقل : أو ما المقصود بالعقل . 2- الاساليب أو الطرق التي يستخدمها العقل لكي يتحقق . 3- الصورة التي يتحقق فيها في النهاية . وأخيرا يعرض للاساس الجغرافي للتاريخ . كلمة نقد : وبعد الرحلة الطويلة مع الفيلسوف نقف وقفة قصيرة لتسويق بعض الاعتراضات التي يمكن اثاررتها دون التقليل من أهمية العمل الذي قام به هيجل والذي يعترف بها النقاد أنفسهم مثل ولش walsh في كتابه لفلسفة التاريخ ومع تسليمنا بذلك الا انه يشير الي بعض الثغرات في فلسفة التاريخ الهيجلية علي النحو التالي :- أولا كيف يكون البرهان علي القضية الاساسية التي يسوقها هيجل وهي ” العقل يحكم التاريخ ” منميا الي مجال الفلسفة والمنطق بصفة خاصة – يقول لنا أنها مستخلصةمن دراسته هيجل لتاريخ العالم ، وأننا لو درسنا الوقائع التاريخية فسوف يتمثل التاريخ أمامنا بوصفه مسارا عقليا؟  ثانيا :- أن هيجل قد عرف الشئ الكثير عن المسار الذي ينبغي أن يسلكه التاريخ قبل أن يعرف أية وقائع تاريخية علي الاطلاق ؟ لأنة يعلم منذ البداية أن التاريخ هو تقدم الوعي بالحرية . ثالثا : ويستنتج من ذلك استنتاجا هاما هو : أذا كان هيجل يحدد منذ البداية أن التاريخ هو تقدم الوعي بالحرية ، فأن المراحل التي تمثلها لابد بالتالي أن تكون مراحل تدريجية في تقدم هذا الوعي ، بمعني أن الشرق لابد أن يكون ممثلا لمرحلة دنيا عما تمثله الحضارة اليونانية ، لا لأن وقائع التاريخ تقول ذلك ، بل سير الوعي يحتم ذلك . رابعا : يقف عن حديث هيجل عن نظام الطبقات المقفلة في الهند أن النظر الي الامتيازات بين الطبقات علي طبيعة الرابطة في المجتمع عشوائية ونشاطا عاجزا عن أن ينشي تاريخ، لانه يؤدي الي استبعاد عنصر الاخلاق . الم نظام الرق عند اليونان قائما علي أمتيازات طبيعة ، وهل أدي ذلك الي اختفاء عنصر الاخلاق من الحياة اليونانية ؟ الا يعد هذا التناقض ضعف مفهوم ” التريخ طك عند هيجل ، وفي تعليله لطريقة ظهور التاريخ ، وللأمم التي يوجد لها تاريخ ….؟  خامسا : احاديث هيجل عن الهنود الحمر ، وعن الزنوج ، تثير السخط والخنق وتمثل نظره غير أنسانية علي الاطلق ، ويمكن أن نسوق عليها الملاحظات التالية:-  معلومات عن ضعف بنية الهنود الحمر كلها خطأ كلامه عن كسلهمم، وغبائهم لا أساس له من الصحة ،  توجد عنصرية أوربية فظيعة في كلامه عن ضرورة مضي وقت طويل حتي فيهم الاوربيون ” الاستقلال ” . 4- أحكامه عن الزنوج غير صحيحة تسليمه بأن من البديهي أحضارا ابدي عاملة زنجية مادام الهنود الحمر ( في نظره ) ضعفاه حتي يمكن أستخدامهم في الأعمال التي ينبغي أمن تتم في العالم الجديد !! إن نظرة هيجل في هذا الموضع تصبح غير إنسانية علي الاطلاق ، بل أكاد أقول أنها تقترب مما تقترب مما نسميه بتعبيرنا الحالي بالروح الاستعمارية . قد تبدو هذه الانتقادات جميعا هذه الانتقادات جميعا مجرد ” هفوات ” وقع فيها هذا الفيلسوف العظيم ،ن ولكنها لا تقلل من شأن هذا شأن هذا العمل الضخم ، الذي نرجو أن نعرض بقيته علي القارئ العربي في أقرب وقت ، حتي يتسني له أن يحكم بنفسه علي هذا العمل ؛ وعلي صاحبه الذي يشرفنا أن نقدم له اليوم أول نص من نصوص ينقل – علي ما نعلم – الي اللغة العربية . في مقدمة الجزء الثاني من ترجمة لكتاب فلسفة التاريخ يعرض امام عبد الفتاح أولا بأيجاز الخصائص العامة لفلسفة التاريخ الهيجلية ويجعل القسمة الثاني المحور الرئيسي لدراسة هيجل والعالم الشرقي ثم يقدم في الجزء الثالث خاتمة نقدية . والتاريخ عن هيجل أمام هو عرض للروح وماهية الروح الحرية ومن ثم كان مسار التاريخ هو تقدم الوعي بالحرية ، لكنها ليست حرية فردية سلبية تعسفية ، فالتاريخ عند هيجل غائي فكل ما يحدث لم معني ، وله ما يبرره والثانية هي الجانب الموضوعي الذي يمثل الضرورة في هذا المسار ولكن الضرورة أو الجانب الموضوعي لا تعمل وحدها فهناك الجانب الذاتي الحر للافراد ومن ثم كان التاريخ ارتباطا وثيقا بين الضرورة والحرية (ص 6) . يتوقف أمام في دراسته عن العالم الشرقي الا انه الخطورة الاولي التي حظتها الروح وبدأ التاريخ الكلي كما يقول هيجل ، لكن لانه عالمنا نحن ، فهو أكثر الروح وبدأ التاريخ الكلي كما يقول هيجل ، لكن لأنه عالمنا نحن ، فهو أكثر مراحل التاريخ أهمية بالنسبة لنا ، أنه تحليل للشخصية الشرقية التي لا يزال الكثير من سماتها السيئة للأسف الشديد قائمة حتي يومنا الراهن 13،14 وتعرفنا علي تحليل هيجل لهذه الشخصية له فائدة مزدوجة فنحن نجد أنفسنا في هذا التحليل للروح الشرقي أمام مرأة مكبرة تنعكس عليها شخصينا ، ووصولنا الي هذا الوعي الذاتي مسألة بالغة الاهمية لأنه يمثل الموقف المعرفي بأدق جوانبه . تقسم هيجل العالم الشرقي كعادته ، تقسيما ثلاثياً ، الصين ثم الهند ، وأخيرا فارس وهو يلحق معربا الامبراطورية الفارسية لتكون الجسر الذي يعد عليه الروح الي العالم اليوناني . ويتناول الصين لانها أقدم ما يتنبئا به التاريخ ، وقد ظلت كما يعتقد هيجل منذ فجر التاريخ علي الحال التي هي عليها في يومنا الراهن ( الوحدة الجوهرية ) وفي مثل هذا النظام الايوي البريركي لا مكان للمرأة ( جنة الزكور ) وعلي قمتها الامبراطور وينتقل من نظام الادارة الي نظام التشريع ( الاب المشرع ) ثم يتناول الدين الذي يمثل أمتداد لانعدام الفردية ( المتمييزة ) والعلم . . ثم يتناول الهند الروح الحالمة وخصائصها . ويتناول الحياة السياسية ثم يعرض الامبراطورية الفارسية ويتحدث عن مصر وهي تستدعي الانتباه بصفة خاصة لا لأنها أرض الأثار فحسب ، بل لأنها ” تمثل النتيجة النهائية لعمل عظيم يفوق في ضخامته وجبروته كل ما خلقه لنا القدماء ، فالعناصر التي كانت موجودة فراءي في المملكة الفارسية قد توحدت في مصر ص 42-43 . ويركز هيجل علي ابراز وحدة الارتباط بين ما هو روحي ومادي أو طبيعي عند المصريين .  والروح المعرفي واضح في الفن فهي روح قوية ملمة لم تكن قادرة علي البقاء في إطار التصور الذاتي بل كانت مضطرة للخروج والتعبير عن مضمونها بواسطة الفن فقامت بتحويل النظرة الطبيعية المباشرة للنيل والشمس الي أشكال تشارك في الروح ، فهي روح فردية وهي عامة كذلك تجاهد للسيطرة علي المزية ولتمثلها بوضوح أمام نفسها ( ص 45 )  خصائص الروح المعرفي تتألف من عنصريين أساسيين هما : الروح الغارقة في الطبيعة ، والرغبة الملحة في التحرر منها ( ص 46 ) . تمهيده لترجمة كتاب هيجل تاريخ الفلسفة نبذه قصيرة عن الطريقة الخلافية ثم عن تاريخ الاراء والأقوال ليصل الي تاريخ الفلسفة قبل هيجل مباشرة ولاسيما في المانيا وهي الكتابات التي كان لها تأثير مباشر في نظرة هيجل الفلسفية الي تاريخ الفلسفة والطريقة الخلافية يكتب المؤرخ تاريخ الفلسفة وهو في زهنه تأييد مذهب أو تفنيد مذهب أخر وهي ( 18-19 ) ، وهي طريقة يحتاج اليها مؤرخ الفلسفة فالدراسة العلمية الاكاديمية للمذاهب الفلسفية ينبغي الا تنفصل عن الدراسة الخلافية لهذه المذاهب ، علي نحو فهلق ( نورمان كمبت ثمث في كتاب ” دراسات في الفلسفة الديكارتية ” لندن 1902 . ( 20 ) تاريخ الاراء والاقوال . وهي تهتم اساسا برواية مقتطفات من أقوال الفلاسفة وهي الطريقة التي تسيطر علي خط الكتابة التاريخية القديمة للفسفة في ثلاث محاولات كتابه . ويعرض لتاريخ الفلسفة قبل هيجل أولا كتاب يعقوب باركر brucker التاريخ النقدي للفلسفة في خمسة مجلدات بين عامي ( في فالبيرج الذي يري أن تتطور الفلسفة علي أنه انحلال تدريجي للعقل البشري وهو يكتشف الحقيقة ” ( ص 25) وكان هذا الكتاب عند كانط والموسوعين الفرنسين المرجع الموسوق به وظهرت له ترجمة أنجليزية بقلم وليم أنفلد enfield . w بعنوان تاريخ الفلسفة في لندن 1971 ( ص 25 ) وكتاب ريترش تدمن tiedmann .r روح الفلسفة النظرية في ستة مجلدات ، ريدرج 91 – 1797 . الذي كان – من حيث الفكرة والطريقة – أول تاريخ للفلسفة يكتب بتخطي ط جديد علي الرغم من أنه لم يخصص للفلسفة الحديثة سوي المجلد الاخير ” ص 26 “. واتم جوسكيب تنمان عمل ترمان في كتاب (تاريخ الفلسفة ) فغي جلدين متأثرا بما كتبه راينهولد في مقال بعنوان ( حول فكرة تاريخ الفلسفة ) وذهب فيه الي أن النزعات السابقة كانت تتصور الفلسفة بوصفها معرضا لضلال الروح البشري أو الانقسام هذه الروح علي نفسها إلى شبح واراء متتضاربة . وحاول تنمن أن يصنف المذاهب الفلسفية ، وأن يرجع هذا التصنيف الي خصائص اصلية في الروح الانساني . ( ص27 ).  رابعا:- هيجل :  أ‌- منظور جديد وشار امام الي اثلر كل من ” تيرمان ” و ” تينمان ” في هيجل فقد تنبأ بكثير في التي تضمنها كتابه ” محاضرات تاريخ في فلسفة وأن كان هيجل مقترا في الاشارة اليها .وأن كان على حق في بيانه أنهما لم ينجحا في توضيح الكيفية التي تظهر بها المذاهب الفلسفية الجزئية ، وكيف تتولد النظرية الفلسفية العينية من غيرها من النظريات فقد قنص بالإشارة إلى توقعات عن الحقيقة بينما من واجب المؤرخ أن يبين كيف ظهرت الحقيقة بالفعل ( ص 28 )  . ثم يتناول محاضرات في تاريخ الفلسفة ويذكر تقسيم هيجل لتاريخ الفلسفة و يعرض لموقف هيجل من الآراء الخاطئة التي شاعت عن تاريخ الفلسفة مثل : انه لا يجوز ان يكون هناك تاريخ للفلسفة لان ذلك يعبر عن تناقض اوان تاريخ الفلسفة عبارة عن تراكم لمجموعة من الاراء الشخصية ، او انه عبارة عن ميدان قتال يجوب بالضحايا . ( ص 37 ) و يعرض بعد ذلك تعريف تاريخ الفلسفة عند هيجل . فالفلسفة تصفية عامة معرفة الحقيقة الواحدة و هي حقيقة تامة متطورة ، و هي في تطورها و نموها انما تتعين وتتحدد من داخل ذاتها و من هنا يفصل في الحديث عن فكرة التطور و فكرة العينية . ( 51 و ما بعدها ) و يشير الي النتائج المترتبة علي تصور هيجل لتاريخ الفلسفة الاولي ان تاريخ الفلسفة كل متصل الحلقات تدفعه ضرورة داخلية و هي تقدم عقلي تختص فيه العرضة : والثانية أن كل فلسفة كانت ولا تزال ضرورية فليس منها ما أختفي وزال وأنما نجدهاى عناصر أيجابية في كل واحد . والثالثة أن كل مبدأ من مبادئ الفلسفات المختلفة قد ساد فترة من الزمان وحين تفسر نسق العالم كله من خلال هذه الصوؤة الخاصة فأن هذا التفسير يسمي مذهبا فلسفيا والرابعة أننا ينبغي الا نعالج علي أنه دراسة للماضي علي الرغمة من أنه تاريخ ، لأن نتاج العقل هو الذي يشكل مضمون هذا التاريخ ولا يعد ذلك ماضيا ، لان ما يصل اليه يجاوز الزمان ويعلو عليها . ويبين أمام أن نظرية هيجل الجديدة كان ضخم علي كتابه تاريخ الفلسفة بعده وأن يحمل لهيجل عدم غفلة الفلسفة الشرقية ( ص 78 ) كذلك لم يغفل الفلسفة الاسلامية والذات العربي بصفة عامة وأن كان يأخذ عليه أنه نظر الي هذا التراث علي أنه مجرد شرح وتفسير للفلسفةة اليونانية ( ص 79 ) كما يأخذ عليه إسقاطه لعنصر الزمان مع أنه أساسا في فهم التاريخ لكنه تغاضي عنه واباح الثقة أن يقدم ويؤخر في المذاهب الفلسفية حتي تتفق مع السير الجدلي لمقولات المنطق .  وسوف نقدم هذه المجلدات الي قسمين كبيرين : القسم الأول :/ يشمل أعمال هيجل الكاملة : وهي مجلدات .. يتضمن المجلد الأول : ” أصول فلسفة الحق ج 1″ و”أصول فلسفة الحق ج 2 “ ثم يليه المجلد الثاني : ويشمل :  ” موسوعة العلوم الفلسفية ج 1  و ” موسوعة العلوم العلوم الفلسفية ج 2 ) وهكذا  أما القسم الثاني : فهو يشمل الدراسات في عدة مجلدات أيضا : المجلد : ويشمل ” المنهج الجدلي عند هيجل “، و ” داسات هيجلية ” ، ” دراسات في الفلسفة السياسية ”  والمجلد الثاني ويشمل : ” فلسفة هيجل ج 1 ج 2 ” و ” هيجل والديمقراطية “. أما المجلد الثالث : فيشمل ” تطور الجدل بعد هيجل ” في ثلاثة اجزاء ( جدل الفكر ، جدل الطبيعة ، جدل الانسان ).  وفي نيتنا – أن شاء الله – أن نصدر  من حيث الترجمة . أجزاء جديدة من ” ظاهريات الروح ” ومن ” تاريخ الفلسفة “. أما من حيث التأليف فسوف نكتب عن الهيجلية وتطورها ، لاسيما الهيجلية الجديدة في أنجلترا وأمريكا ، ثم نصدر معجما للمصطلحات الهيجلية … الخ . وهي أمال نتمي من الله ان يساعدنا علي تحقيقها في المستقبل القريب حتي نؤدي للمكتبة العربية خدمة نظنها هامة …… واللله نسأل يهدينا جميعا سبيل الرشاد 

هل أنتم جاهزون للديموقراطية..؟!

طظ في مصروعاشت ماليزيا

بقلم  د. إمامعبدالفتاحإمام

جلستُ أمام التلفيزيون مشدوهاً..وأنا أستمع إلى المذيعة تسأله –على استيحاء-أصحيح أنك قلت :”طظ في مصر ,أنا أريد مسلماً من ماليزيا يحكمني؟!” كان ذلك وشباب مصر الغض يزمجر: ارفع رأسك يا أخي فأنت مصري! وجسدي كلي ينتفض من النشوة لأعتزاز الشباب ببلدهم وفخرهم بأنتمائهم إليها ويدعون اخوانهم لتقليدهم بالتفاخر بمصريتهم المجيدة مصر التي كرّمها الله بأن ذكرها في كتابه خمس مرات ولم يذكر ماليزيا ولا مرة واحدة؟! –ثم ازدادت دهشتي عندما سمعتُ الرجل يجيب بلا استيحاء نعم قلت ذلك ومازلت لأنني أتحدث عن الوحدة الأسلامية العالمية؟! ماذا يقول هؤلاء الناس أليس لديهم ذرة من العقل ,وقبس من الضمير؟! ولماذا يخسف الأرض ببلده على هذا النحو المزري؟! ولماذا يجلب لنا حاكماً من ماليزيا ,ولماذا لا يذهب هو إليه وسوف نوده مهللين مكبرين؟! ثم ما هي الوحدة الإسلامية العالمية التي يتحدثون عنها؟! لقد هللوا وملأوا الأرض صياحاً عندما فجرت باكستان قنبلتها الذرية وقالوا “القنبلة الذرية الأسلامية” “القنبلة الذرية العالمية” ..إلى آخر هذا الكلام الفارغ الذي يعبث بعقولهم حتى أعلنت باكستان …… أنها فجرّت قنبلة ذرية “باكستانية ” لا هي عالمية ولا هي إسلامية ولقد ساعدتها الولايات المتحدة الأمريكية حتى يحدث توازن بينها و بين الهند التي سبقتها إلى تفجير قنبلة مماثلة؟!

ثم قرأت في “جريدة روزاليوسف” يوم الخميس 12 مايو 2011 حديثاً للسيد المرشد يقول فيه “سنربي الشعب المصري حتى يأتينا طالباً تطبيق الحدود.” ولم يقدم المشيئة! وافترض أنهم نجحوا واستولوا بالفعل على حكم البلاد    – لا قدّر الله ! ودارت بي الأرض مائة مرة ,ماذا حدث؟! هل أصبح المسلمون ملائكة أو تنزل عليهم الملائكة خصوصاً إذا ما أصبحوا حكاماً؟ فهم ملهمون من الله. وحكماء من الناس. ومفكرون ومنظرّون وأطباء ,وعلماء ,ومرشدون ,ودعاة ..إلى ماشاء الله؟!

فلنستقرئ بعض نماذج من التاريخ مع العلم أن المثل الواحد السلبي يفسد القانون الذي قد تؤيده ملايين الأمثلة الأيجابية:

– فلنبدأ من معاوية الذي كان “خليفة الله على الأرض” ,وأول الملوك ,و”الأمين والمأمون ” ,وإمام الإسلام “..!!

-ومن عهده أصبحت السلطة يتم تحديدها من الله ,وليس للناس فيها رأي ولا شورة .والخليفة “خليفة الله” (إبتدأ من عبد الملك بن مروان) وأن على الناس الأستسلام والطاعة!!

– ومع الدولة الأموية بدأت نغمة التفويض الألهي في الظهور وهي التي سوف تتأكد بوضوح تام عند العباسيين حتى يقول المنصور بصراحة ووضوح “أنا سلطان الله في أرضه!” ورفع الشعراء أيضاً من نغمة التقديس إلى نغمة التأليه فلا يجد ابي هاني الأندلسي (938-973م) بعد ذلك حرج في أن يقول للخليفة الفاطمي المعز لدين الله :

ما شئت لا ما شاءت الأقدار         فأحكم فأنت الواحد القهار

وكأنما أنت النبي محمد             وكأنما أنصار الأنصار

وكانت البيعة بالأكراه –مجرد اجراء شكلي أقرب ما يكون إلى “الأستفتاءات” العصرية التي يجريها الرؤساء في بلادنا وتكون نتيجتها 99,9% ولا أدل على ذلك من واقعة الحرة الشهيرة تلك النقطة السوداء في تاريخ يزيد وما أكثر النقاط السوداء في تاريخه –التي قُتل فيها خلق من الصحابة ونهبت المدينة ,وافتض فيها ألف عذراء ,وإنا لله وإنا إليه راجعون !.

وليزيد أخبار عجيبة ومقالب كبيرة من شرب الخمر ,وقتل ابن بنت رسول الله ,ولعن الوحى ,وهدم البيت واحراقه! و سفك الدماء و الفجور ,وغير ذلك مما قد ورثه الوعيد باليأس من غفرانه !. ألا فليقرأ كل مَنْ له عينان!!

ألم يقل “الوليد” الذي مزّق المصحف – وهو يقول : “إذا ذهبت إلى ربك يوم حشر فقل يا ربي مزقني الوليد” ألم يكن حاكماً مسلماً؟!

ولما قُتل الوليد بن يزيد عام 26ﻫ نظر إليه أخوة سلمان بن يزيد وقال “بعداً له ,أشهد أنه كان شروباً للخمر ما جنا فاسقاً ,ولقد راودني عن نفس”!!

وقل مثل هذا في العصر العباسي فقد كان السفاح هو أول خلفاء بني العباس ,ومن اسمه تعرف أعماله ومآثره , “قتل في مبايعة السفاح مالا يحصى من الخلائق ..ثم لا يخجل أن يجلس على البساط لفهم به فيتناول طعامه فوقهم والجثث تتحرك تحت البساط وهي تئن ومع ذلك يصفه المؤرخون بأنه “كان شديد التدين”!

أرجوك لا تسأل :لماذا تركت عهد أبي بكر وعمر؟ (اثنتى عشرة سنة) لعدة أسباب : الأول :أن الدولة هنا لم تكن قد بدأت بعد ,الدولة يا سيدي كانت تتخلق فقد كانوا يبحثون عن راتب للخليفة ,وعن لقب يطلقونه عليه ..إلخ بعد عهد النبوة التي لا قياس عليها ..

الثاني : أن أقرب العهود إليها لم يستطيع أن يكون هذا النموذج الفذ الذي اعتمد على أخلاق الرجلين (لا على قوانين ثابتة ) فمات بعدهما.

الثالث : منذ البداية كان معاوية يقول انه حاول السير على طريق أبي بكر وعمر ولكن نفسه أبت: “لقد رضتُ لكم نفسي على عمل ابن أبي قحافة ,وأردتها على عمل عمر فنفرت من ذلك نفاراً شديداً ..”

(ومَنْ أراد المراجع فليرجع إلى كتابي “الطاغية : دولة فلسفية لصور من الأستبداد السياسي” نهضة مصر).

لو أنك يا سيدي قرأت التاريخ لعرفت كيف تحول الإسلام السمح ,دين الهداية على يد الحكام المسلمين إلى حكم إرهابي بشع يقتل مَنْ يشاء بغير حساب ..!! أما إذا أردت أمثلة من التاريخ التي تتمسح بالدين لترتكب ما شاءت من جرائم! وإذا كان الأخ الفاضل يذهب إلى ماليزيا بحثاً عن حاكم مسلم أو أننا نسأله ألم يكن لدينا محمد حسني مبارك ومحمد أنور السادات ,وجمال عبد الناصر ثالوث الطغيان الحديث ألم يكونوا جميعاً مسلمين؟! ثم ألا تعلم –حفظك الله – أن الثوارات التي قامت في الوطن العربي حديثاً كانت كلها ضد حكام مسلمين : من زين العابدين إلى القذافي إلى عبدالله صالح إلى الأسد ..إلخ .دون أن يضطروا إلى استيراد “مسلم ” من ماليزيا ليحكمهم!

ثم ماذا نقول في أمر هؤلاء الناس؟ هذا يريد أن يستورد لنا مسلماً من ماليزيا ليحكمنا وذاك سوف يربي أكثر من ثمانين مليوناً من الشعب المصري؟! ألم يسمعوا قط عن شئ اسمه “عفة اللسان”؟! ألم يقر أن “المسلم” مَنْ سلم الناس من لسانه ويده؟! لم ينفذوا الأولى والله أعلم بالسرائر!! نقول لهم:

“قُتل الخراصون الذين هم في غمرة ساهون”!!

❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊

هلأنتمجاهزونللديموقراطية..؟!

كمالالأخلاقعندالحيوان 

بقلم  د. إمامعبدالفتاحإمام

عرضنا في مقال سابق لما قاله خطيب جاهل عن سلوك الحيوان النمل الذي لا يكذب ,والقردة التي تقيم حدود الله ,والنحل النظيف لأن النظافة من الإيمان..إلخ وأطلقنا على هذه الثقافة أسم “ثقافة الجهل”- على ما في هذه التسمية من مفارقة –ولما كنتُ قد قُمتُ بتدريس “فلسفة الأخلاق” سنوات طويلة فقد رأيتُ أن أفرد مقالاً خاصاً لهذا الموضوع المهم الذي يخطئ فيه كثير من الناس.

هناك ثلاثة مصطلحات هامة نصف بها السلوك:-

  • الأول أخلاقي Moral..  وهي صفة تُطلق على السلوك إذا كان صادقاً ,عفيفاً عادلاً وشجاعاً ,أميناً وكريماً ..إلخ.
  • والثاني غير أخلاقي Immoral..  كأن يقال عن سلوك ما أنه كاذب أو جبان ,أو خائن ,أو ظالم ..إلخ.
  • والثالث محايد – بعيد عن الأخلاق A-moral  وهذه الصفة الأخيرة تطلق على جميع أحداث الطبيعة وسلوك الحيوانات جميعاً ,وربما كانت المشكلة تكمن في المجموعة الثالثة التي تعني أن أحداث الطبيعة بعيدة عن الأخلاق أو محايدة أو لا علاقة لها بالأخلاق. فهذه الورقة التي أكتب عليها الآن قد تكون خيرّة إذ ا ما كنتُ أكتب كلاماً ينفع الناس, لكنها قد تكون شراً إذا أشعلت فيها النار وأحرقت بها منزلاً أو سيارة –ومبضع التشريح في يد الجراح قد يكون خيراً إذا ما أجرى به عملية جراحية لمريض ,وقد يكون شراً إذا ما قتل به هذا المريض!. والواقع أن الحكم الأخلاقي هنا لا ينصب على الورقة أو المبضع بل على الإنسان الذي استعمل الورقة أو المبضع ..فهو الذي فعل كذا أو كيت وهذا الفعل هو الذي يوصف بأنه خير أو شر ,وربما كان ذلك واضحاً في موجودات الطبيعة ,لكنه ليس بهذا القدر من الوضوح بالنسبة لأفعال الحيوان : فالكلب عندما يرى صاحبه يجري نحوه مرحباً حتى قيل إن لدى الكلب من الوفاء ما لا تجده عند الإنسان “فالكلب أوفى من الإنسان!”. ولقد كان عمرو بن بحر الجاحظ في تراثنا العربي (1775-768) أكبر نصير للحيوان فقد كتب عنه كتاباً ضخماً يحمل أسم “الحيوان” عرض فيه لتصنيف الحيوانات وأنواعها وأجناسها وفصائلها ومناقبها وطباعها ..وإذا ذكرنا أمثلة سريعة يمكن أن نقول إن الجاحظ يرى أن فضيلة العصافير حبها الشديد لصغارها وعطفها وحنانها عليهم يقول “ليس في الأرض ,طائر ,ولا سبع ,ولا بهيمة أحن على ولده ولا أشد به شغفاً وعليه إشفاقاً من العصافير” (المجلد الخامس ص 210)

أما فضيلة القطة عند الجاحظ فهي الإيثار وليس الشوق إلى الحرية كما يظن المنفلوطي لأنها تؤثر صغارها على نفسها حتى ولو كانت جائعة ,وفضيلة الذئب ما لديه من يقظة وحذر واحتراس حتى أن الأعراب تزعم أن الذئب ينام بعين واحدة ويزعمون أن ذلك من شدة الحذر.

وهناك الكثير من الفضائل الآخرى التي يعرفها الناس جميعاً ,فشجاعة الأسد مثلاً لا تخفي على أحد ,وفضيلته التي يتميز بها أنه لا يهاجم من الخلف أبداً .وصبر الجمل ومدى تحمله للألام والمتاعب والإساءات والإهانات غدا هو الآخر –ضرب الأمثال حتى أننا لنصف الفرد من الناس الذي ينوء كاهلة بالأعمال والمتاعب بأنه “جمل” إشارة إلى صبره وتجلده وقوة تحمله!

والواقع أن وجهة النظر التي يسوقها الجاحظ عن فضائل الحيوان قد تكون أقرب إلى نظرة الأديب منها إلى نظرة الفيلسوف ,ولهذا كان التعاطف مع الحيوان في كثير من الأحيان ضرباً من الأسقاط يُعبرّ به الإنسان أحياناً عن شوقه للحرية كما فعل المنفلوطي عندما تحدث عن قطته التي عافت الطعام من أجل الحرية. وقد يعبر الإنسان عن ضيقه وسخطه من أوضاع ظالمة في المجتمع كما فعل “لافونتين” عندما قدَّم الذئب القوى الذي يبحث عن مبررات واهية ليلتهم الحمل الطيب المسكين! وهو ما فعله في تراثنا العربي “إخوان الصفاء”. لكن علينا أن نقول أن الفعل الأخلاقي عند الحيوان مرفوض فليس ثمة فعل أخلاقي سوى ما يفعله الإنسان فقط ,ولكى نوضح هذه النقطة فإن علينا أن نلخص شروط أو مواصفات الفعل الأخلاقي.

  • الإنسان هو الموجود العاقل ,وهو الموجود الذي يحمل ذلك القبس الألهي الذي نسميه بملكة التميز بين الخير والشر ,ولذلك كان الإنسان هو الموجود الوحيد القادر على معرفة الخير والشر ,وتلك المعرفة شرط أساسي للفعل الأخلاقي –وبأختصار لابد أن يصدر الفعل الأخلاقي عن موجود عاقل وهو الإنسان بالطبع ,فالإنسان كما قال الفيلسوف الألماني “هارتمان” هو الموجود الحامل للقيم في هذا العالم.
  • لكي يكون الفعل الأخلاقي عُرضة للاستحسان إذا كان فاضلاً أو للاستهجان إذا كان رذلاً ,وإذا أمكن أن يكون هناك ضرب من الثواب و العقاب “بالنسبة للفعل الأخلاقي ,فأنه يشترط أن يكون لدى الموجود الذي صدر عنه هذا الفعل القدرة على الأختيار ,بحيث أستحسنه إذا اختاره وكان فاضلاً ,وأستهجنه إذا كان رذلاً وتعريف الفعل الحر هو أنه “ذلك الفعل الذي كان يمكن للفاعل أن يختار سواه”. فإذا لم يكن الفعل حراً خرج عن دائرة الأخلاق ,حتى ولو كان فعلاً بشرياً. ذلك لأن الفعل الذي يجبر عليه صاحبه لا يمكن أن يكون موضع مدح أو قدح,فإذا ارتكب شخص ما فعلاً سيئاً كالسرقة مثلاً,تحت تهديد خنجر في ظهره فإن عمله لا يكن أن يوصف بأنه أخلاقي أو غير أخلاقي .فشرط الفعل الأخلاقي أن يكون حراً وأن يصدر عن صاحبه بأختياره هو!

فإذا اتفقنا على أن سلوك الحيوان ليس حراً,وأن الله سبحانه قد أودع في الحيوان “غريزة” تحل محل العقل في الإنسان فإن سلوك الحيوان في هذه الحالة سيكون من قبيل العمليات البيولوجية في الإنسان ,ولهذا فإنه لا يمكن أن يكون موضع “مدح” أو “قدح” .وأنا أريد من القارئ أن يتأمل معي موقف الناس في العصور الوسطى عندما كانوا يحاكمون الحيوانات لما اقترفته من آثام وذنوب ويصدرون عليها أحكاماً مختلفة كالضرب ,أو الحرمان من الطعام ,أو العمل الأضافي أو السجن (وكان للحيوانات سجون خاصة) أيمكن للقارئ أن يوافق اليوم على مثل هذا الموقف؟ بالقطع لا؟ و السبب أن سلوك الحيوان سلوك غريزي فهو بأختصار ليس حراً..!

  • لكن قد يقال أن سلوك الحيوان ليس كله غريزياً ففيه الكثير من السلوك المكتسب وبعبارة آخرى فإن ارتباط الكلب بصاحبه ليس ارتباطاً غريزياً بل هو سلوك مكتسب. وهذا صحيح إن كان الأدنى إلى الصواب أن تقول إنه يرتبط ارتباطاً شرطياً بغريزة الطعام التي يشبعها صاحبه .وهو ما كشف عنه باڤلوف I.Pavlov (1849-1936) عالم الفسيولوجيا الروسي الكبير في تجاربه الشهيرة على لعاب الكلب وارتباطه بالجرس عندما يقدم له الطعام .لكني أريد أن أسأل صاحب الأعتراض سؤلاً آخر: افرض أن صاحب الكلب اعتاد بدلاً من تقديم الطعام أن يذهب إليه كل يوم وفي يده عصا غليظة. أيمكن في هذه الحالة أن يظل الكلب وفياً لصاحبه؟! أيجوز أن نصف سلوك الكلب إذا هاجم صاحبه أنه “عاق” أو غير وفي؟ كلا! سلوك الكلب في الحالتين يخرج عن دائرة الأخلاق. وليست تلك هي الحال مع الإنسان فالأبن –مثلاً- لابد أن يظل وفباً لأبيه لا لأنه يقدم له الطعام بل لأن الأخلاق تفرض عليه احترامه حتى ولو عاقبه ,والأبن يكون عاقاً و سلوكه غير أخلاقي إذا تطاول على ولده لأي سبب.
  • يعتمد الفعل الأخلاقي على “النية” أو ما يسميه كانط Kant  “بالأرادة الخيرة ” –ويظل الفعل أخلاقياً مادام قد صدر عن “نية طيبة” حتي إذا لم يتحقق الغاية المرجوه منه,ولا يشترط في الفعل الأخلاقي بعد النية الطيبة سوى اتخاذ الخطوات اللازمة لتحقيق هذه النية وإخراجها إلى عالم النور .فالطبيب الذي استدُعى لإنقاذ مريض لكنه لم يصل في الوقت المناسب بسبب حادث في الطريق,فمات المريض قبل وصوله ,هل يظل فعله أخلاقياً؟ نعم! لأنه فعل ما كان عليه أن يفعله لكن عوامل خارج إرادته هي التي منعته من الوصول في الوقت المناسب.
  • لابد أن يستهدف الفعل الأخلاقي “غاية” أخلاقية وأن يسعى إلى تحقيق نتيجة خيرّة,ويظل أخلاقياً حتى ولو فشل في تحقيق هذه الغاية .يُروي عن الفيلسوف الفرنسي “أوكتاف هاملان Octave Hamelin” (1856-1907) أنه رأى شخصاً يشرف على الغرق فأسرغ يلقي بنفسه في الماء لأنقاذه لكنه فشل في تحقيق هذه الغاية ,بل ومات معه! و مع ذلك يظل سلوك “هاملان” سلوكاً أخلاقياً فاضلاً وبطولياً رغم غرق الرجل وغرق الفيلسوف في آن معاً!

ومعنى أن السلوك الأخلاقي غائي أنه لا يكون من قبيل الصدفة فافرض أنني ألقيت من نافذة منزلي بفائض من الطعام لا أحتاج إليه ,وافرض أن فقيراً جائعاً تصادف مروره فعثر على هذا الطعام الذي سدَّ به رمقه أيكون فعلي أخلاقياً في هذه الحالة لمجرد أنه أدى إلى نتيجة طيبة خيرّة؟ كلا! لأن هذه النتيجة الخيرة لم يكن يستهدفها الفعل في الأصل.

وقل نفس الشئ في العكس يكون الفعل سيئاً وشريراً إذا كان يستهدف نتيجة سيئة حتى لو أدى بالمصادفة إلى نتيجة حسنة عن غير قصد! خذ المثال الآتي :-

في احدى التمثيليات كانت جدة ثرية تعيش مع حفيدتها وهي في الوقت نفسه وريثتها الوحيدة ,وكانت الفتاة مخطوبة لشاب يتطلع بلهفة إلى ثروة الجدة فاتفق مع خطيبته أن يتخلصا من الجدة المريضة بأسرع وسيلة ممكنة ليحصلا على ثروتها ,وهداهما تفكيرهما الشرير إلى أن يضعا مقادير ضئيلة جداً من السم في طعامها حتى لا تكتشف الجريمة إنْ زادت الجرعة .وأخذا في تكرار هذا العمل الآثم يوما بعد يوم .وذات يوم اكتشفت الفتاه أن صحة الجدة تتحسن بدلا من أن تتدهور ! واستمر هذا التحسن إلى أن استردت عافيتها تماما حتى وجدتها الفتاة تقف أمام المرآة  تجرب ارتداء بعض الفساتين ! ثم اتضح بعد ذلك أن مرض الجدة كان علاجه الوحيد هو هذا المقدار الضئيل جداً من السم الذي يوضع في الطعام على فترات طويلة: أيمكن الحكم على سلوك الفتاة أنه أخلاقي لأنه أدى إلى نتيجة طيبة ؟كلا لأن هذه النتيجة لم تكن مقصودة بل استهدف الفعل غاية غير أخلاقية هي قتل الجدة!

هذه بإختصار شديد مواصفات أو شروط الفعل الأخلاقي وهي كلها لا توجد في الحيوان ,لأنه خارج نطاق الأخلاق !ثم أن الحيوان لا يعرف الحرام والحلال لأنه لا دين له ! ولا يوجد نمل يكذب أو لا يكذب يسرق أو لا يسرق إلا في الأساطير ,ففي الأساطير اليونانية أن النملة كانت في الأصل إنساناً يسرق الحبوب فاشتكى منه جيرانه إلى كبير الآلهة زيوس Zeus فسخطه الاله نملة هي التي لا تزال حتى الآن تقوم بالسرقة! وأرجو ألا يقرأ الخطيب الهمام هذا المقال حتى لا يروي قصة الرجل اللص وكيف سخطه الاله إلى نملة على أنها حقيقة مؤكدة !!!

بل عليه يقرأ ,وعلى المسلمين جميعاً أن يكفوا عن الزهو الفارغ أن أول آية تحث على القراءة ,وأن معجزة الإسلام كتاب ودون أن تفعلوا شيئاً لأنه “كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون”: (2-الصف) فلا تجعلونا نقول مع المتنبي : “يا أمة ضحكت من جهلها الأمم!”.

                                                           

❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊

مشكلاتالديمقراطية:

الديمقراطية.. والمجتمع المتخلف

أشرنا في مقال سابق إلي فكرة «رسل» التي يقول فيها إن الديمقراطية تكاد تكون مستحيلة في مجتمع جاهل أو أمي، وهذا يعني أن من الصعب تطبيق الديمقراطية في جميع المجتمعات بلا تفرقة فهي في رأي البعض شكل خاص من أشكال النظم السياسية التي تحتاج إلي مجتمع «معين»!١

أي أن هناك فلاسفة يرفضون امكان التطبيق «العام» ويجعلون الديمقراطية «وقفا» علي مجتمعات دون غيرها «فمونتسكيو» Montesquiea «1689 – 1735» المفكر السياسي اللامع في عصر التنوير الفرنسي وصاحب الكتاب الشهير «روح القوانين» يقول في تصنيفه للنظم السياسية ومدي مناسبتها للشعوب:٠

إن الحكومة الديمقراطية – المعتدلة هي أصلح ما يكون للعالم المسيحي أما الحكومة المستبدة فهي أصلح ما يكون للعالم الإسلامي، وهو قول يكرر بصورة باهتة التعصب الأرسطي القديم مع فارق واحد هو أن تعصب أرسطو كان «عرقيا» يعتمد علي التفرقة بين الأجناس فيجعل الجنس اليوناني هو أرقي الشعوب وأصلح للحكم الديمقراطي في حين أن الهمج والبرابرة – لأنهم خلقوا عبيدا بطبيعتهم ولا يستطيعون الاستمتاع بالحرية، بل تراهم يسعون في شوق إلي العبودية، ثم جاء «مونتسكيو» ليجعل التعصب هذه المرة دينيا، ويعمد إلي التفرقة بين الشعوب علي أساس الدين، فالشعوب المسيحية هي التي تصلح للديمقراطية، أما الشعوب الإسلامية بطبيعتها لا تطبق الحكم الديمقراطي، لأنها لا تعرف الحرية ولا تطلبها! والحق أن هذا افتراء لا معني له فليس في الدين الإسلامي ما يمنع من تطبيق الديمقراطية التي تعتمد علي الحرية والعدالة والمساواة وغيرها من الأفكار التي تعد الدعوة إليها واضحة صريحة في آيات الكتاب الكريم فضلا عن أن الإسلام يدعو المسلمين إلي التشاور وإلي الحوار والنقاش واتخاذ القرارات بعد روية، كما أنه يجعل المسئولية فردية تقع علي عاتق الفرد وحده، أي أن كل فرد عليه أن يناقش ويفكر لأنه في النهاية مسئول عن أعماله، فإن احتج «مونتسكيو» أو غيره ممن يذهبون هذا المذهب بأن التاريخ الإسلامي كان يحكمه طغاة، أجبنا بأن هذه ظاهرة موجودة في التاريخ المسيحي أيضا ثم من ناحية أخري لا علاقة لها بالمبادئ الإساسية التي يقررها الإسلام كدعامة لنظام الحكم فإن خرج عنها الحكام كانت مسئوليتهم لا مسئولية الإسلام.

وهناك فيلسوف إنجليزي ليبرالي عظيم هو جون ستوارت مل «1806 – 1873» علي الرغم من أنه كان يدافع عن حرية الإنسان وكتب كتابا مهما عن «الحرية» فأنه ظلم المجتمعات المتخلفة عندما أدخلها في نطاق القصر ويري أن أفضل نظام للشعوب المتخلفة هو استعبادها شريطة أن تكون الغاية المنشودة هو اصلاحها!! فالحرية لا يجوز منحها للدولة قبل أن يتهيأ الناس لها بحيث تصل إلي سن الرشد وتكون قادرة علي أن تحكم نفسها بنفسها وإلا كانت كالطفل الصغير إذا تركت له الحرية ليمارسها قبل الأوان.

والفكرة التي يسوقها مل بالغة الخطأ والخطورة للأسباب الآتية:ـ

أولا: ليست الحرية مما يمنع أو يمنح للإنسان حسب ظروفه وأحواله ذلك لأن الحرية هي هيبة الإنسان إذا فقدها فقد وجوده معها.

ثانيا: صحيح أن الإنسان كثيرا ما يسيء استخدام حريته عن جهل أو بسبب سيطرة الغريزة أو ميل مع الهوي.. إلخ، لكنه يحتاج إلي تصحيح نفسه وإلي أن يتعلم من اخطائه، وهكذا قيل إن الديمقراطية هي التطبيق العملي للحرية، فهي ممارسة بالدرجة الأولي.

ثالثا: هناك رأي بدأت به الفترة الناصرية الديكتاتورية وهو أن الناس يحتاجون إلي فترة انتقال قبل ممارسة الديمقراطية فترة انتقال لمدة عامين يتعلمون فيها أصول الديمقراطية وقواعدها قبل ممارستها وهي مفارقة غريبة تشبه قول القائل «إن عليك أن تتوقف عن قيادة السيارة حتي تتعلم فن القيادة الصحيح!!١

رابعا: في ظني أن المستعمر لن يجد حجة لاحتلال الشعوب المتخلفة أقوي من حجة «مل» بأن هذه الشعوب غير قادرة علي أن تحكم نفسها بنفسها وهي «قاصرة» لا تعرف مصلحتها الخاصة وسوف نقوم نحن بهذا الدور وهي نغمة سادت الدول الاستعمارية في القرن التاسع عشر!١

خامسا: أما ما يقوله «رسل» من أن تطبيق الديمقراطية يكاد يكون مستحيلا في مجتمع أمي أو جاهل، فهو قول لابد من التسليم به مع تحفظ واحد هو أن نسأله بدورنا: أننا نسلم معك بأن التطبيق الكامل للديمقراطية يستحيل في مجتمع جاهل، لكن ما العمل في هذه الحالة؟ وما البديل؟ هل ننتظر إلي أن ينتشر التعليم في جميع أرجاء البلاد؟ وحتي ذلك الحين: ماذا يكون شكل الحكم؟ هل نلجأ إلي الحكم الاستبدادي «وأي حكم غير الديمقراطية فهو حكم استبدادي بمعني ما من معاني الاستبداد)- الذي يقضي في النهاية علي الإنسان ويدمر ملكاته ويهدر قيمه؟! وهل هناك حاكم مستبد يجد أن من مصلحته نشر التعليم وادخال النور إلي الشقوق المظلمة والآفاق الضيقة؟!١

لابد أن نعترف في النهاية بأن تطبيق الديمقراطية في المجتمعات المتخلفة مسألة بالغة الصعوبة ذلك لأنها سوف تتعثر وتقع في كثير من الأخطاء وسوف تحجز مقاعد لأصحاب «الشيكات» وسوف تكون هناك رشاوي ومجاملات وتعصب عرقي وديني.. إلخ وسوف يعاني الناس معاناة شديدة من مثل هذا الحكم الذي لم يألفوه ولن تزول آثار الماضي بسهولة.. لكن لا مفر لنا من المرور بهذه التجربة، ثم أن الديمقراطية في جوهرها ممارسة وليست مجموعة من الأفكار النظرية شأنها في ذلك شأن قيادة السيارة وتعلم السباحة.. الخ – لابد من النزول إلي البحر ومواجهة التيار، والوقوع في الخطأ مرة ومرة إلي أن نتعلم كيف نسبح ثم كيف نجيد السباحة، لقد كتب الأستاذ أحمد بهاء الدين ذات مرة يعيب علي ما حدث في نقابة المحامين من هرج ومرج وخروج عن اللياقة وآداب المناقشة (لدرجة التشابك بالأيدي) – أثناء الانتخابات وأردف ذلك بسؤال ساخر: «أهؤلاء هم الذين يطالبون بتطبيق الديمقراطية علي مستوي الدولة وليس في استطاعتهم تطبيقها في نقابتهم؟ لكنه نسي – للأسف – أن الديمقراطية «ممارسة» وليست مجرد أفكار نظرية وأن هؤلاء حرم عليهم النظام القائم (وهو النظام الناصري) ممارسة أي ضرب من ضروب الديمقراطية لأكثر من ربع قرن ومن ثم فإن عليهم أن يبدأوا من الصفر، وهو ما رآه الأستاذ بهاء!، ومن هنا أيها السادة تأتي خطورة فترة الانتقال «التي نادي بها عبدالناصر وزبانيته لمدة سنتين واستمرت ثمانية عشر عاما يحكم الشعب بالحديد والنار ليزرع فينا العزة والكرامة!١

وإذا كانت أعلي صورة من صور الديمقراطية في العالم الموجودة الآن في انجلترا، فإن الأمر لم يكن وليد المصادفة ولم يظهر فجأة بل جاء نتيجة معاناة شديدة، وعلي مدي قرون طويلة، فقد بدأت المحاولات في القرن الثالث عشر بمجلس اللوردات فقط، وظلت التجربة تتعثر وتصلح نفسها، ثم تعود لتكبر لتقف علي قدميها من جديد إلي أن وصلت إلي صورتها الحالية.

ثم هل كان شعب أثينا الذي بدأت منه الديمقراطية شعبا متعلما؟ ونفس السؤال لابد أن نسأله بالنسبة لشعب المجنا كارتا Magna Carta (العهد الأعظم) عام 1215 الذي ثار في وجه الملك جون وانتزع منه هذه الوثيقة العظيمة؟ ثم هل كان ثوار باريس عام 1789 شعبا متعلما؟! لقد وصفهم «جان بول سارتر» بأنهم كانوا مجموعة من «الأصفار» أو نقاطا من الضعف والخوف والرعب، وانقلبت فجأة إلي تيار عارم وقوة مدمرة اكتسحت أمامها كل شيء:

الملك والنبلاء والأقطاع والكنيسة ورجال الدين.. إلخ فهل كان شعب باريس في ذلك الوقت شعبا متعلما أو مثقفا بالقدر الذي يريده المعترضون ويشترطونه لتطبيق الديمقراطية؟ كلا لقد قيل يومها أن الإحساس بالظلم وليس الظلم نفسه هو الذي أدي إلي الثورة! إن ما ينقصنا هو «الوعي السياسي» – وهو غائب حتي عند بعض المثقفين الذين لايزالون يمجدون عبدالناصر وحكمه دون أن يصلوا إلي النتيجة المنطقية الواضحة وهي أن ما نحن فيه من بلاء هو محصلة الحكم الناصري الذي أضاع كل شيء مصر وفلسطين معاً بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة!١

❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊

أفكار خبيثة لإجهاض الثورة..٤

هلأنتمجاهزونللديموقراطية..؟!

                                                                       ثقافةالجهل…!

كان «راسل» شيخ الفلاسفة في انجلترا في القرن الماضي «1872 ـ 1970» ـ يقوله إنه يكاد يكون من المستحيل تطبيق الديمقراطية بين شعب جاهل أو أمي!. وربما عدنا إلي مناقشة هذا الموضوع في مقالاتنا المقبلة ـ لكن في استطاعتنا الآن أن نقول إن أشد الثقافات عندنا ايغالاً في الجهل هي الثقافة الدينية «وكلمة الثقافة هنا مستخدمة بالمعني الإنثروبولوجي» فهي التي لم يطرأ عليها أي تقدم منذ أكثر من ألف عام حتي تحجرت وازدادت بعدًا عن الواقع الحي الذي يعيشه الناس، وتمسكت بأفكار غريبة عن الإسلام فهذا كبيرهم يخرج من السجن لينادي بإنشاء لجنة عليا «للتكفير» وقد نسي أو تناسي قول الرسول الكريم «من كفر مسلمًا فقد كفر»! وكما ينادي بلجنة عليا أخري «لإهدار الدماء» ليتحول الإسلام السمح إلي «شوري المجازر» ومتناسيًا قوله تعالي «ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق» الأنعام «151» ولم يقتصر هذا التحريم علي النفس المسلمة وحدها بل قال النفس بإطلاق!1

وبدلاً من أن تكون منابر المساجد منارات تُضئ الطريق أمام المسلمين أصبحت بؤرًا للجهل لا مثيل لها، فهذا خطيب ذرب اللسان يروي لنا أن سيدنا آدم ذبح ابليس وشواه ثم أكله! وبعد أن تنفسنا الصعداء لأن الشر قد زال من العالم فوجئنا بالخطيب يعدل عن هذه البشري الطيبة ليقول إن آدم بعد أن أكل ابليس لم يستطع هضمه فتقيأه من جديد أي أن ابليس اللعين عاد ينغص علينا حياتنا من جديد ولم يفلح فيهالذبح والشواء والأكل والفداء..! أي ثقافة، وأي جهل، وأي تخلف، وأي تدهور!

ومن أسبوعين اثنين في قرية من قري الساحل الشمالي وقف خطيب آخر يروي ثلاث قصص عن مكارم الأخلاق عند الحيوان التي لم يصل إليها المسلمون بعد:ـ

الأولي: النمل لا يكذب

وضع النمل واحدة من أشد أنواعه شراسة لحراسة جرادة ميتة وذهبت نملة أخري لاستدعاء قومها للاشتراك في وليمة دسمة، لكن يدًا خارجية اندست ورفعت الجرادة بعيدًا بحيث لا يراها النمل فلما وصل القوم لم يجدوا الجرادة المزعومة، فعادوا آسفين، وبعد لحظات أعادت اليد الخبيثة الجرادة إلي مكانها من جديد وفرحت النملة الحارسة وأسرعت تجري تنادي أصحابها بأن الطعام قد وصل فعادوا فرحين مهللين، لكنهم للأسف لم يجدوا الجرادة: ثلاث مرات حتي تأكد القوم أن النملة تكذب عليهم ولما كان النمل لا يكذب وهذه قاعدة لا شك فيها، فقد هجم النمل جميعًا علي هذه النملة الكاذبة المدسوسة بينهم وأوسعوها ضربًا حتي خرج منها السر الإلهي! وهكذا يتأكد لكم أيها الإخوة أن النمل لا يكذب!

والثانية: أن القردة تقيم حدود الله

أرخي الليل سدوله ونامت القردة المرهقة من القفز بين الأشجار طوال النهار وجاءت الزوجة لتنام علي ذراع زوجها الممدودة حتي إذا تأكدت أنه راح في سبات عميق سحبت رأسها من فوق ذراعه وذهبت مسرعة إلي عشيقها وظلت في أحضانه حتي الصباح، حتي إذا استيقظت القردة ورأت هذا المنظر الفاجر تنادوا علي بعضهم البعض ليشاهدوا «الخيانة البشعة» فيتم القبض علي الزاني والزانية. يقوم مجتمع القردة بحفر حفرتين لكل من العاشق والعاشقة، وبلا محاكمة لأن الجريمة ثابتة ودامغة. يقوم الجميع بعملية الرجم! ويختتم الخطيب حديثه رافعًا صوته الجهور بهذه الكلمات الحاسمة «وهكذا نجد أن القردة تقيم حدود الله أما أنتم أيها المسلمون فلا تفعلون شيئًا من ذلك..!١

والثالثة: نظافة النحل

يروي لنا الخطيب المفوه أن النحل اعتاد أن يجعل نحلتين تقفان علي باب الخلية تتشممان الوالجين فمن اتضح أن رائحته عفنة أو كريهة منعتاه من الدخول حتي يذهب ليستحم ويتطهر ثم يعود فيسمح له بالدخول وهكذا يتضح أن النحل يرفض النجاسة لأن النظافة من الإيمان!.. وهذه كلها أحاديث لا قيمة لها في الوقت الذي تريد فيه الديمقراطية القراءة والثقافة الجادة والمعرفة العميقة لمعني المساواة، والحرية، والعدالة، وحقوق المواطن وما له وما عليه، وماذا ينتظر مني الآخر وماذا أنتظر منه وتراث الديمقراطية زاخر بالموضوعات التي تحتاج إلي نقاش، إلا أن هذا النقاش يحتاج إلي علم ومعرفة، وفهم ودراية دون أن تدخل الدين أو الكفر أو الحلال والحرام في هذا النقاش فهل هذه ثقافة قادرة علي المواجهة والنقاش أم أنها ستخرج وبسرعة إلي تكفير كل من لا يتفق معك في الرأي انطلاقًا من مبدأ «عليك أن تؤمن بما أومن به وإلا لعنك الله!» والذي تحول في عهد الطغاة إلي «عليك أن تؤمن بما أومن به إلا قتلتك!». والذي يبدو فيه كل مسلم عليمًا بكل شيء ومعلوماته عن الإسلام هي وحدها الصحيحة وهو وحده صاحب الأمر والنهي في يده مفاتيح الجنة وهو القادر على فتح أبواب جهنم، مما يذكرنا بذلك الأعرابي الجاهل المتعصب الذي رفع يديه إلي السماء وهو يقول: «اللهم اغفر لي ولمحمد، ولا تغفر لأحد بعد ذلك أبدًا»! واندهش الرسول من هذا الدعاء الأناني الغريب وقال له : ولم؟!  لقد ضيقت واسعًا يا أخ العرب !١»

الآن أهذه «ثقافة» نستطيع أن نصنع بها ديمقراطية ؟! أم أننا سنكتفي بأن نقول مع المتنبي: أغاية الدين أن تحفوا شواربكم .. يا أمة ضحكت من جهلها الأمم..!١

علينا أن ننتظر للمقال المقبل الذي نناقش فيه كمال الأخلاق عند الحيوان.. لنتأكد أن هؤلاء الناس خارجون عن كل ثقافة بعيدون عن

كل معرفة..!١

❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊

أفكار خبيثة لإجهاض الثورة ..٣

علمانيون.. نعم !  إلحاديون.. لا !١

في ظني أن الآفة الأخلاقية الكبري التي يمكن أن تقوض المجتمع هي شيوع الكذب، لأنك في هذه الحالة لن تقيم بناء سليماً اجتماعياً أو ثقافياً أو علمياً أو اقتصادياً أو دينياً، فكل شيء مزيف.

ولعل هذا السبب في أن الرسول الكريم جعله أول صفات المنافق «فإذا حدث كذب!» ولهذا تري الديانات جميعاً تناشد أتباعها بالتحلي بالصدق أو الحق أو الحقيقة ففي الإسلام تجد الحق اسماً من أسماء الله الحسني ويقول السيد المسيح و«تعرفون الحق، والحق يحرركم» يوحنا (8 :33 فالحق أو الصدق وليس الكذب هو الذي ينبغي أن نتبعه وأن نبحث عنه وأن نحرص عليه، فليس للكذب قدمان كما يقولون وسرعان ما ينكشف ولا يصح في النهاية إلا الصحيح!.

ولكننا للأسف الشديد، نجد أن بعض الناس يحاولون الوصول إلي غايتهم بأحط السبل حتي لو لجأوا إلي الكذب، من ذلك ما يرويه لنا التاريخ عن أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد المفكر وأحد رواد الحركة الوطنية (1873 – 1963) عندما لجأ أعداؤه إلي تشويه سمعته بأن أشاعوا عنه بين السذج من أهل قريته» برقين بمحافظة الدقهلية أنه «ديمقراطي» ويقصدون أنه ملحد أو خارج عن الدين.. الخ ويحذرون الناس من انتخابه أو حتي الاقتراب منه أو سماع ما يقول.. !! وكان هذا العمل اللا أخلاقي يصدر عن أناس يدعون لأنفسهم أنهم «مسلمون»!! وحدث ذلك منذ أيام قليلة في الاستفتاء علي الدستور فمن قال «لا» فهو خارج ومأواه جهنم وبئس المصير، أما من قال نعم فهو من أهل النعيم والقصة كلها كذب لكنهم لا يستحيون من ترويج الأكاذيب للوصول إلي أغراضهم من أحط السبل فأي استخفاف بعقول الناس أولاً وبالدين ثانياً؟ ويبدو أننا توارثنا هذه الرذيلة الممقوتة فقد كانت موجودة منذ زمن طويل عندما كان الإمام مالك يسير في السوق بمدينة بغداد، سمع خطيباً يروي بانفعال شديد وحماس دافق الأحاديث من النبي الكريم فاستوقفه ما في حديث هذا الراوية من أكاذيب لاحد لها فقال له الإمام مالك: يا رجل أراك تروي الحديث بعد الحديث دون أن تهتم بمدي صدقه أما علمت بالحديث الذي يقول: من روي عني كذباً فليتبوأ مقعده من النار؟ فأجاب الرجل بجرأة ووقاحة، وزهو فارغ: «والله ما كذبت عنه بل كذبت له» ! أي أنه يكذب لصالح الدين!! ولست أدري أي دين هذا الذي تقوم أسسه علي الكذب وتبني قواعده علي التزييف؟ الواقع أن الحقيقة هي التي تقيم الدين وتسنده!!

ونصل الآن إلي قمة التزييف والكذب والفتيا بغير علم عندما نستمع إلي مصطلح العلمانية Secularism وهو يعني حرفياً الاهتمام بشئون العالم وأمور هذه الدنيا، ولقد جاءت الكلمة من «العالم» وليس «العلم» ولهذا حرص أستاذنا الكبير زكي نجيب محمود علي أن يكتب مقالاً طويلاً يصحح فيه نطق هذا المصطلح ويجعل عنوانه «عين فتحة عا» انظر كتابه عن الحرية أتحدث ص 184 : فالمصطلح الذي ظهر في عصر النهضة Renaissance

كان له تاريخ لا مثيل له عندنا، فقد كانت أوروبا خاضعة لسلطان الكنيسة الكاثوليكية التي أشاعت ازدراء هذا العالم اعتماداًَ علي ما يقوله القديس بولس الذي يزدري الجسد ويرفع من شأن العذرية فضلاً عن أن أباء الصحراء كانوا متحمسين لكراهية الطبيعة، هكذا ظهرت آراء تنادي بأن العالم مفعم بالخطيئة وهو فاسد وهو بالضرورة شر.

ولقد ترتب علي ذلك أن هرب آلاف من الشباب من الرجال من النساء من الحياة العامة وفضلوا العزلة، والبعد عن الناس، ولقد أدي ذلك إلي تفكك بعض الأسر ولم يدر أعضاؤها المبعثرون المتحررون ماذا يفعلون؟! وفي عصر النهضة ظهر تيار مضاد جديد ينادي بعدم ازدراء الحياة أو كراهية العالم واستعانوا بنصوص من الكتاب المقدس تقول «كل خليقة الله جيدة) من رسالة بولس إلي تيموثاوس عدد 4 وهكذا ظهر تيار جديد يدعو إلي التخلي عن نظرة الكنيسة التشاؤمية تجاه العالم والاعتزاز بهذه الحياة الدنيا ومحاولة تسهيلها وتذليل الصعاب أمام البشر، ووصف المفكرون المؤسسة الكنسية بأن مهمتها تصدير الناس إلي الآخرة وليس الاهتمام بحياتهم في هذه الدنيا.. الخ وهكذا أصبح العلماني خلاف الكهنوتي كما جاء في المعجم الوسيط المجلد الثاني ص 624 والعلماني هو شخص لا يرتبط بدير من الأديرة، والعلمانية بصفة عامة هي الدعوة إلي تحرير النشاط الإنساني من سلطات الكنيسة الكاثوليكية ولم تتخذ العلمانية شكلاً فلسفياً نظامياً إلا في منتصف القرن التاسع عشر وفي رأس مسلماتها حرية الفكر وحرية كل إنسان في مناقشة جميع المسائل الجوهرية.. إلخ..

تلك هي قصة العلمانية التي يحاول البعض تشويه صورتها وجعلها مرادفة للالحاد دون أن يرعوا في الله إلا ولا ذمة!

أصبحت العلمانية إلحاداً وزندقة في نظرهم مع أنها مصطلحات مختلفة أتم ما يكون الاختلاف فالعلمانية مذهب الذين يريدون الاهتمام بالعالم، وبشئون الناس في دنياهم الحالية من يريدون للناس أن يستمتعوا بحياتهم، ذلك أن تقرأ مع هذا قوله « قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين أمنوا» الأعراف 32 فالاستمتاع بالحياة كما تطلب العلمانية ( هي للذين آمنوا ففي استطاعتك يا عزيزي القارئ أن تكون علمانياً وأن تكون في الوقت نفسه مؤمناً بالله، فكيف يجمع هؤلاء الناس بين العلمانية والالحاد في مفهوم واحد. أن ذلك لابد أن يحدث أما عن جهل بالفهم التاريخي الدقيق لمصطلح العلمانية وأما لانعدام الضمير أو بسبب النوايا الخبيثة التي تضمر الشر للثورة ولغرامها لناصع البياض للدين، ويسرعون إلي ركوب الموجة حتي لا يكون في الساحة غيرهم وما يحملون من أفكار ساذجة.. وهناك آيات كثيرة تدعونا إلي دراسة العالم وفهم الكون «قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق» العنكبوت (2) ذلك هو الاهتمام بالعالم ودراسة التطور، وهكذا يتضح لك بما لا يدع مجالاً للشك أن في استطاعتك أن تكون «علمانياً يهتم اهتماماًَ شديداً بهذه الدنيا، وأن تكون إلي جانب ذلك مؤمناً شديد الإيمان.. بهذا الفهم الغريب لهذه المصطلحات لا يمكن أي منهم أن يكون قد قرأ كتاباً واحداً، استغفر الله ولا صفحة في كتاب حول هذا الموضوع!!

إنهم أناس لا ضمير لهم وهم الذين اتهموا أحمد لطفي السيد بالالحاد والزندقة لأنه ديمقراطي وهم خطيب بغداد الذي يدعم الدين بمجموعة من الأكاذيب وخطباء المساجد عندنا لا يزالون علي هذا الصراط غير المستقيم حتي هذه اللحظة وهم الذين قالوا في الاستفتاء علي الدستور من قال نعم دخل الجنة التي يملكون مفاتيحها ومن قال لا دخل جهنم وبئس القرار. وهم الذين يلصقون الأكاذيب بالدكتور البرادعي الرجل الفاضل من الجاسوسية إلي العمالة إلي الأمريكية إلي الجهل بالسياسة إلي الزواج من أجنبية. الخ أكاذيب لا آخر لها ليصلوا إلي أغراضهم من أحط السبل «أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدي فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين» البقرة 16 .

❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊

خدعوها .. فقالوا

من كتاب ” افكار ومواقف ” للدكتور / إمام عبد الفتاح إمام
دخلت تتعثر في مشيتها وهي ترفل في ثوبها الفضفاض ، فأشرت إليها بالجلوس ، وانتظرت حتى تلتقط أنفاسها من آثار صعود الدرج العالي ! ثم قلت وأنا أقدم لها فرصة الحديث : – خيراًكنت انا مرشدها في اختيارها للمواد التي سوف تدرسها في الفصل الدراسي القادم ، وكنت قد فهمت من حديث سابق لها عقب المحاضرة أنها تعاني من مشكلة في هذه المواد ! قالت وغصة الخجل تمنعها من الانطلاق في الحديث
لا أريد أن أدرس معه تلك المادة الي وجهتني إليها في المرة السابقة-
ولمَّ؟ – يقولون عنه إنه .. كافر – ـ أعوذ بالله !إحذري يا ابنتي من إلصاق التهم بالناس ، فليس في ذلك شيء من الدين ، ولا هو من مكارم الاخلاق هذا ما يقولونه عنه بحسم يكاد يشبه اليقين – ـ ومن ذا الذي يستطيع أن ينصب نفسه قاضيا فيقضي بدخول فلان إلي الجنة ويزج بغيره إلى عذاب السعير ؟! ليس إتهام الكفر ياابنتي، بالأمر الهين ، ومن هنا كان الحديث الشريف الذي يدعو الناس إلى التفكير ألف مرة ومرة قبل إلصاق هذه التهمة البشعة بالناس يقول الرسول الكريم (صلعم) :”من كفر مسلما فقد كفر”! والمغزي العميق الكامن وراء الحديث الشريف واضح وهو أن الرسول (صلعم) يريد أن يضم الناس إلى حظيرة الإيمان ، فلنختلف ، ونحن في قلب الإسلام ، وليكن لكل منا رأيه الخاص الذي يعارض به آراء الآخرين جميعاً ، لكنا مع ذلك نتفق في اننا ننطلق بآرائنا من أرض واحدة هي أرض الإسلام الرحبة التي تسمح بتعدد الآراء واختلاف وجهات النظر
يقولون : إنه في واحد من كتبه أنكر وجود الله –
ـ كتبه موجودة ! وأكون شاكراً لو تفضلت فأتيتني بالكتاب المشار إليه ولتستخرجي منه عبارة واحدة يقول فيها ذلك علانية – أوحتي ضمناً- وعندها سوف أتفق معك في كل ما تقولينه
ـ كلا !انه لم ينكر وجود الله صراحة ، ولكنه قال إن الكون يسير وفق قوانين أزلية ثابتة لا تتغير ـ الله اكبر ! وماذا في ذلك ؟! أيعني هذا صراحة أو ضمناً إنكار وجود الله ؟! أنك لو تأملت ما كتبه الفلاسفة من أدلة علي وجود الله ، لوجدت من بينها ما يسمى بالبرهان الخامس في البراهين الكسمولوجية (( الكونية)) وهو المسمى (( برهان النظام )) ! وسوف تجدين انهم يذهبون إلى أن ما نراه في الكون من نظام هائل وشامل ، وقوانين دقيقة ثابتة ومحكمة لا يخرج عنها شيء من ظواهر العالم ، هي دليل قاطع وحاسم علي وجود ” منظم” أو ” علة منظمة ” – وهذه العلة المنظمة ، لا بد بالضرورة أيضاً أن تكون عاقلة فكل علة منظمة لا بد أن تكون علة عاقلة . والعلة العاقلة لهذا العالم هي ” الله” تعالى هذا ما يقوله الفلاسفة –
ـ وماذا في ذلك ؟ هم قوم مؤمنون حتي العظام ، وصلوا في درجات الإيمان إلى القمة ! بل إن منهم من تخطى مرتبة الفلسفة إلى طبقات الصوفية كأبي حامد الغزالي مثلا ، أم تشكين في إيمانه هو الآخر
ـ حاشا لله أن يكون أيمان “حجة الإسلام ” موضع شك أو ريبة ! لكني أقصد أن برهان النظام المستمد من القوانين الثابتة هو برهان القلسفة لا الدين
ـ لا ! الدين قبل الفلسفة يؤكد النظام والإطراد والثبات في ظواهرالكون التي تحكمها قوانين أزلية هي التي يطلق عليها القرآن الكريم اسم السنن الإلهية ! ومن هنا ذهب ” إقبال ” إلي أن الطبيعة ليست ركاماً من مادة بحتة شاغلة للفراغ ، بل هي بناء من حوادث أو منهج منتظم من السلوك ، ولهذا فان الطبيعة في التعبير القرآني الرائع هي ” سنة الله ” ! وهو تعبير يعني النظام ، والترتيب ، والتناسق ، والإطراد والتلازم في الوقوع بمقتضى قوانين ثابته وضعها الله لهذه الظواهر منذ الأزل ، فهي لا تتبدل ولا تتحول ، بل هي مستمرة ودائمة ، وذلك ينفي بالطبع وجود أحداث بلا سبب أو ظواهر تقع مصادفة وإتفاقاً ! بل إن القرآن ليتحداك أن تجدي ” ثغرة ” أو ” نقص ” أو ” انقطاع ” في ترابط الأحداث المادية المترابطة المتلاحقةحاولي ، وتأملي ، وأرسلي البصر في جوانب الأرض جميعاً أتشعري بعدها بالخزي : ” الذي خلق سبع سموات طباقاً ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم أرجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئاً وهو حسير ” آية ٣، ٤ من سورة الملك
ـ هذا كلام رائع لا غبار عليه ! ولكن أليس في ثبات القوانين الأزلية واستمرارها نفي لتدخل ” الإرادة الإلهية”؟
ـ الإرادة الألهية هي التي شاءت أن يكون الكون على هذا النظام والاطراد ، ولقد عبر القرآن عن ذلك بتعبيرات مختلفة لكنها في النهاية تؤدي الى معنى واحد هو نفي العشوائية وتثبيت النظام ، فنحن نجده أحياناً يعبر عنها بكلمات ” القدر” ، و ” التقدير ” ، بمعنى أن الله قد قدر لكل شىء قدره ، وأن الظواهر تسير بحساب دقيق ” إنا كل شيء خلقناه بقدر ” . وكل ما في الكون يسير بمقتضى سنة إلهية ثابتة لاتتغير … و ” ذلك تقدير العزيز العليم ” (٩٦ – الانعام) ، الذي وضع قوانين الظواهر بميزان دقيق لأن ” وكل شىء عنده بمقدار” ( ٨- الرعد ) ، وتلك مشيئة الله وإرادته في تدبير الكون ؛ ” وكان أمر الله قدراً مقدورا ” ٣٨ الاحزابوكثيرا ما يستخدم القران لوصف هذا النظام كلمة ” التسخير ” ، وهي كلمة دقيقة ، لأنها تنفي ” الإرادة ” أو ” الوعي ” عن ظواهر الطبيعة ، وتجعل أحداث العالم كلها تسير سيراً حتمياً ، لأنها جميعاً ” مسخرات بأمره ” ١٢ النحل . وأحيانا أخري يستخدم القرآن لفظ ” التسبيح ” ، ولا جدال أن المقصود بهذا اللفظ هو الخضوع للإرادة الإلهية ، والامتثال للأمر الإلهي المطلق الذي هو ” سنة الله ” وهو القانون ! كما يستخدم القرآن أيضاً لفظ ” السجود ” ” لله يسجد ما في السموات والأرض طوعا وكرهاً ” ١٥ – النحل .. و ” النجم والشجر يسجدان ..” ٦ الرحمن
ـ أهذه الآية الكريمة التي أرسل أحمد بن المعتصم بالله رسالة إلى الكندي فيلسوف العرب الأشهر يطلب منه تفسيرها ؟
– ـ نعم يا ابنتي ! وكتب فيها الفيلسوف رسالته الشهيرة المعروفة في تاريخ الفلسفة الإسلامية باسم (( الإبانة عن سجود الجرم الأقصى وطاعته لله عز وجل )) راح في بدايتها يحلل معنى (( السجود )) في اللغة العربية . ويتكلم عن المعاني المختلفة لهذا اللفظ (( السجود المعروف في الصلاة من وضع الجبهة على الأرض وإلزام باطن الكفين والركبتين الارض )) ! كما يقال لفظ السجود أيضاً بمعنى ((الطاعة)) فيما ليس له جبهة ولا كفان ولا ركبتان ، وجملة ما لا يكون فيه السجود الذي في الصلاة ، فمعنى سجوده ” الطاعة “وهو يستشهد بالكثير من أبيات الشعر للنابغة وغيره ورد فيها لفظ السجود بهذا المعنى ، ولما كانت الكواكب والأفلاك والاشجار لا تسجد سجود الصلاة لأنها ليست لها الأعضاء التي لذلك ، فالسجود هنا بمعنى ” الإنتهاء والامتثال إلى أمر خالقها وجريانها ، وفق تدبيره المحكم بحيث تكون لها حركتها المنظومة المرسومة المطردة التي نسميها اليوم ” بالقوانين الطبيعية
ـ لكن ألا تستطيع ” الإرادة الإلهية ” بما لها من قدرة وسلطان وسيادة أن تتدخل في أي وقت لتقلب القوانين أو توقفها تماماً؟
ـ هذا يا إبنتي تصور ساذج ” للإرادة الإلهية ” لأنها لا تعبث ، ولا تشيع الفوضى والإضطراب في الكون : ” وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق * ولكن أكثرهم لا يعلمون ” ٣٨ ، ٣٩ – الدخان ، بل إن القرآن ليحتقر من يسير على هواه من البشر ” أرأيت من إتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا ” ٤٢ الفرقان ، فما بالك بظواهر الكون التي لا إرادة لها ؟ إن ما تقولينه يا إبنتي هو تصور العالم الشرقي للعظمة ، فهي تعني في بلادنا كسر القوانين ! فيستحيل أن يكون العظيم عظيماً عندنا إن أطاع القانون حتى لو كان هذا القانون من وضعه هو ! لأن العبث بالقيود هي عندنا الحد الفاصل بين السيد والمسود ! فقولي لي إلى أي حد تستطيعين العبث بالقانون والنظام أقل لك في أي مرتبة من مراتب المجتمع أنت ، ولقد نقلنا هذا التصور – للأسف – إلى العظمة الإلهية ، فتصورنا كمال الله وعظمته وقدرته في تعطيل القوانين كيف شاء وحيث شاء ، ولو فهمنا جيداً ما يقوله فيلسوف مثل اسبينوزا من أن الصفات الإلهية ينبغي ألا تؤخذ فرادى بل مجتمعة ، فلا ننظر إلى قدرة الله المطلقة فحسب ، بل أيضاً إلى عدالته وإلى حكمته التي تأبى العبث بالنظام والقانون حتى لو كانت القدرة الإلهية بمستطيعة ذلك من الناحية العقلية ، البحتة ، لو فعلنا ذلك لعرفنا أن الإرادة الإلهية نفسها تقتضي ثبات القوانين ودوامهاأطرقت الفتاة صامتة ثم قالتأشعر كما لو كنت أدخل لأول مرة عالماً رحباً لم يكن لي به علم من قبل ! لقد إرتحت كثيراً إلى ما تقول ، ولا شك أن نقاشنا واختلافنا داخل حظيرة الإسلام أمر تسعد له السماء ! وإن كان هناك موضوع واحد ربما عدت إلى مناقشته معك : هو موضوع ” المعجزة
على الرحب والسعة –
… وانصرفت راضية مبتسمة مقتنعة آنهم خدعوها
❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊

أفكار خبيثة لإجهاض الثورة ..٢

بابا حسني .. وماما سوزان ..!!١

استمعت في حلقة تليفزيونية إلي السيد أحمد شفيق رئيس الوزراء السابق قبل تنحي الرئيس بأسبوع يرفض فكرة «الرحيل» اعتماداً علي مبرر بالغ الغرابة هو أن الرئيس «أب» للجميع، هل يمكن أن يطرد الأب من داره..؟!يقول السيد شفيق للمذيعة: افرضي أنني تشاجرت مع والدي، فهل أقبل أن يقول أحد لأبي: أترك المنزل وارحل؟ ليست هذه «قيم الشعب المصري»، وكأن أصحاب الأصوات العالية التي تطالب بالرحيل لا تعرف شيئاً عن «قيم المجتمع المصري»!والواقع أن الفكرة التي ينادي بها رئيس الوزراء تعبر عن خلط واضح بين «الأخلاق.. والسياسة» فالأب والأم والأخ… إلخ مفاهيم أخلاقية تستخدم فقط في نطاق الأسرة ولا علاقة لها بالسياسة وأنت لا تجد مثل هذا الخلط إلا في المجتمعات العربية وحدها: فالأخ العقيد، والأخ علي عبدالله صالح.. وعندما وصل بوش إلي الكويت انطلقت الصيحات والهتافات مرحبة بـ «بابا بوش» في الوقت الذي لا يستخدم فيه الأمريكيون هذه الألفاظ علي الإطلاق لأن «بوش» حاكم الدولة وليس أباً في عائلة، وكثيراً ما ناقشت البعض في خطورة هذه الألقاب التي تحيل الحاكم إلي ديكتاتور ــ وهذا كله يعود في النهاية إلي نظم الحكم السيئة في جميع الدول العربية التي تستمرئ هذا الخلط الذي يساعد الحكام علي تشييد نظم استبدادية تفوق أي استبداد في التاريخ.ولقد كان الفيلسوف الإنجليزي جون لوك «1704 ــ 1632» هو أول من نبهنا إلي أنه يتحتم علي الابن احترام والده وعدم التفوه بألفاظ نابية أمامه ــ لكن ذلك في الأسرة، أما إذا دخلا الانتخابات ونجح أحدهما علي مبادئ المحافظين ونجح الآخر عن حزب العمال فإن من حق الابن أن ينقد ما قاله الوالد ويبين تفاهته، ولا يحق للوالد أن يعترض لأنه هنا ليس والداً بل عضو في برلمان سياسي، ولهذا السبب لم نسمع أحداً في المجتمع الإنجليزي يتحدث عن «ماما تاتشر» ويصفها بأنها أم الإنجليز!ثم جاء السادات ــ رحمه الله ــ ولم يمل باللعب علي أوتار الخلط بين الأخلاق والسياسة فيسمي نفسه تارة «كبير العائلة» وتارة أخري «رب الأسرة المصرية» أو يصف المواطنين بأنهم «أولاده»! فذلك أمر غير جائز، ذلك لأننا قلنا إن رئيس الجمهورية هو إلي جانب منصبه في موقع الوالد من الأسرة المصرية، وأن المواطنين هم أبناؤه، لوجدنا أن أمثال هذه العبارات أو النعوت ــ تحمل عنصرين متناقضين في آن معاً، الأول: هو أن الرئيس يمكن عزله ممن انتخبوه إذا هو لم يحقق لهم ما انتخب من أجله، والعنصر الثاني: هو أنه لا يمكن عزله بحكم أنه والد شأنه شأن أي والد في أسرته.. قارن كتابنا «الأخلاق.. والسياسة في فلسفة الحكم» ص: 48، ويقول الفيلسوف الألماني «هيجل» إن المبدأ الذي ترتكز عليه الحكومة الأبوية هو أنها تنظر إلي المواطنين علي أنهم مجموعة من القُصَّر.وعلينا أن نتجه أيضاً إلي الجانب الآخر من الصورة وهو وصف المجتمع بأنه «عائلة» واحدة الذي يتردد كثيراً ويهلل له البعض ــ مع أنه بالغ الخطأ، لأن الأسرة أو العائلة «مفهوم أخلاقي» وليس مفهوماً سياسياً، وهو مؤسسة يرتبط أفرادها بمجموعة من القيم والمفاهيم الأخلاقية كالواجبات التي تنظم العلاقة بينهم، ولا تحكمها قوانين كما هو الحال في الدولة. ومن ثم فلا يجوز أن يقال إننا جميعاً «أسرة واحدة» أو «عائلة كبيرة» يجمعنا رأي واحد وأن اختلاف الآراء وتعددها «مخطط» يستهدف تمزيق هذه الوحدة وتفكيك عري الأمة! وهكذا يصبح المخالفون متآمرين غير وطنيين وتمولهم جهة أجنبية!لقد سئمنا لعبة السياسة في بلادنا عندما ينقلون مفاهيم ــ كما هي دون تقنين ــ للتلاعب بها في ميدان السياسة، كفكرة «الأب» أو «الأخ» أو «العائلة الواحدة».. وأحياناً مفاهيم دينية أيضاً والقصد منها دغدغة مشاعر الناس، واللعب بعواطفهم التي تثيرها هذه المفاهيم، وينخدع بها السذج دون أن ينتبهوا إلي أن هذه الأفكار البدائية كانت موجودة في القبيلة، حيث كان شيخ القبيلة هو بمثابة الأب، وكبير العائلة ورب الأسرة والقبيلة في العائلة بل إنها تطورت منها بالفعل فليس مجتمعاً متقدماً ذلك الذي يصف فيه الحاكم نفسه ــ أو يصفه الناس بأنه أب أو رب الأسرة أو أن يصف فيه المجتمع نفسه بأنه «عائلة» أو أسرة يحميها رأي واحد. فالإجماع كما يقول برزان رسل بحق «دليل علي تخلف المجتمع» ولهذا لا تجدها في المجتمعات المتقدمة، فلم تسمع أحداً في المجتمع الإنجليزي أو الفرنسي أو الأمريكي…. إلخ يصف نفسه أو يصفه غيره بأنه «بابا كارتر» أو «بابا» بوش أو ديجول أو تشرشل…. إلخ، نحن وحدنا أصحاب هذه «الاختراعات» التي هي علامة لا تخطئ وعلي تخلف المجتمع وسمة أساسية من سمات المجتمعات البدائية!ولهذا فينبغي ألا نندهش عندما يروي أحمد بهاء الدين في مذكراته أنه ذهب يناقش السادات يوماً، يطلب إليه أن يعدل الدستور ففاجأه السادات بقوله: اسمع يا أحمد: أنا مش محتاج دستور علشان أحكم مصر، أنا وعبدالناصر آخر الفراعنة.. واللي بعدي يمكن يحتاجوا دستور عشان يحكموا، إنما أنا مش محتاج دستور يا أحمد.بقي أن أقول: إن كثيراً من الثورات تتحول إلي إرهاب ورعب كما حدث في عهد عبدالناصر مثلاً ويكفي أن أسوق تفسير الفيلسوف الألماني العظيم «هيجل» لتحول الثورة الفرنسية إلي إرهاب فهو يري أن سبب هذا أنها رفعت شعارات أخلاقية جميلة ونبيلة عن العدالة والمساواة والحرية والإخاء…. إلخ، لكنها ظلت مفاهيم أخلاقية ذاتية، لم تتحول إلي قوانين تحكم وتطبق، فكانت النتيجة الإرهاب لأن المفاهيم الأخلاقية ظلت في دائرة المجردات مجرد شعارات مرفوعة بلا مضمون! وفي حالة الثورات تجدهم يكثرون من المفاهيم الأخلاقية فتراهم يتحدثون عن «الثقة» و«الطهارة» و«البقاء الثوري» و«العيب»…. إلخ، وتتحول هذه المفاهيم بسرعة وببساطة إلي أضدادها ما لم تتحول إلي قوانين!ولكن المبدأ الذي نسير عليه وهو ما فعله المفكر والاقتصادي الفرنسي «فرانسوا كيناي» «1694 ــ 1774» عندما سئل:< ماذا تفعل لو كنت ملكاً؟ــ لا أفعل شيئاً!.< ومن الذي يحكم؟!ــ القوانين!فينبغي أن تكون القوانين هي الركيزة الأساسية في المجتمع وليست المفاهيم الأخلاقية.

❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊

أفكار خبيثة لإجهاض الثورة ..١

رسالة مفتوحة إلي الدكتور يحيي الجمل!!

..

كتب: د. إمام عبدالفتاح إمام

أعلم يا سيدي علم اليقين أنك لم تكن لك علاقة أياً كان نوعها بموقعة «الجمل» الشهيرة في ميدان التحرير وما حوله، لكنني أعلم أيضا وبنفس اليقين أنك قُدّت معركة أشد ضراوة دفاعاً عن الظلم واستخفافاً بعقول الناس – مستقبلهم وماضيهم في آن معاً.

يوم أقمت حواراً في جريدة الأخبار القاهرية يوم الجمعة 25 فبراير 2011 وأنت تحتل مركزاً بالغ الأهمية والحساسية فقد كنت نائباً لرئيس الوزراء يومها، فضلاً عن أنك كنت أستاذاً للقانون قبل ذلك، أي أن كلامك سيكون له كل الأهمية والاعتبار والتقدير – يومها قلت يا سيدي: «أنا ضد محاكمة الرئيس السابق حسني مبارك.. وعفا الله عما سلف».

وكان رأيك بالتفصيل أنه إذا ثبت وجود أرصدة مالية للرئيس السابق أو لزوجته أو أبنائه في الخارج، فهذه الأرصدة لابد أن تعود للشعب لأن الرئيس السابق من أسرة بسيطة ثم رويت لنا تفسيراً بل مبررات ذلك علي النحو الآتي:

«في أوائل الثمانينيات بعد توليه الرئاسة لسنوات قليلة قال لي الرئيس أنا سمعت أن هناك عمارة في مدخل المعادي تباع الشقة فيها بـ250 ألف جنيه، وأنه يريد شقة لأحد أبنائه ولكنه لن يستطيع شراء شقة للثاني! قلت له – والحديث للدكتور الجمل – سيادتك مفيش معاك نصف مليون جنيه..»!

ويتابع الدكتور يحيي الجمل حديثه: ما أريد أن أقول من روايتي لهذه الواقعة أن الرئيس السابق حسني مبارك حتي ذلك الوقت لم يكن يملك إلا 250 ألف جنيه، كان هذا المبلغ مكافأة نهاية خدمته بالقوات المسلحة! وإذا كان هذا هو كل ما كان الرئيس يملكه في أوائل الثمانينيات.. وإذا قلنا إن زوجته كانت مدبرة وأن هذا المبلغ قد تضاعف خلال سنوات حكمه مضروباً في عشر مرات فتصبح ثروة الرئيس السابق 2 مليون جنيه تقريباً، أما إذا وصل هذا المبلغ إلي المليارات فمن حقنا أن نسأل من أين لك هذا؟ ولا بد أن يعود هذا المال إلي أصحابه، وأن يرد إلي هذا البلد الغلبان. ولكن محاكمة الرئيس السابق أنا ضدها «.. وعفا الله عما سلف والله يسامحه ويسهل له».. «ويستر علينا وعليه».. وهذه هي شيم الشعب المصري.. والحق أنني عجبت أشد العجب من هذا التبرير الغريب يصدر عن أستاذ للقانون يعلم تمام العلم أن القانون لابد أن يكون عاماً ينطبق علي الجميع دون استثناء وإذا صح ذلك وجب علينا أن نطلق سراح أحمد عز والمغربي وعمرو عسل وعشرات غيرهم، ونوقف التحقيق مع 160 مسئولا وبرلمانيا استولوا علي أراضي الخريجين ويكفي أن نسترد ما سرق وعفا الله عما سلف وربنا يستر عليهم وعلينا! فقد كانت مصر يوما بقرة حلبوها الله يسامحهم ويسهل لهم! معتمدين في ذلك كله علي شيم الشعب المصري!

ماذا نقول في مثل هذا الكلام الغريب يصدر عن مسئول كبير في الوزارة وضليع في القانون؟ نقول إن الرسول الكريم كان له رأي آخر عندما قال : «والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها.. «ولم يقل: «لرد محمد ما سرقته إلي أهله وعفا الله عما سلف والله يسامحها» ولن نقول «إن شيم المجتمع المصري لم تصل إلي شبه الجزيرة العربية في ذلك الوقت».

لست أدري يا سيدي كيف تقول الحكومة التي تشغل فيها نائب الرئيس: «إننا نتعهد بملاحقة الفساد ومعاقبة مرتكبيه. ونحن ندرك صعوبة استعادة ثقة المواطن.. ولكننا نقبل التحدي: برنامج عمل واضح الأهداف ومستعدون للمحاسبة!»

والواقع أن اللصوص والخطافين والانتهازيين سوف يسعدهم هذا المبدأ كثيرا «هيا بنا نسرق فإن انكشفنا رددنا المال إلي أصحابه وعفا الله عما سلف»!

لا تقل يا سيدي أرجوك إن ما قلته ينطبق علي رئيس الجمهورية فقط ذلك لأنه أولي بالحساب «فإذا كان رب البيت بالدف ضارباً ….» فضلا عن القانون ينطبق علي رئيس الجمهورية وأولاده ومن يلوذ به ثم علي بقية أفراد الشعب، فرأس الأفعي كما قال السيد الرئيس لابد من ضربها أولاً…. ثم علينا أن نحاسبه بعد ذلك – كما أنه كذب علينا – والحق أنه كان دائم الكذب – عندما خدعنا بعبارات «براقة» مثل «الكفن ليس له جيوب»! حديث عن العفة والنزاهة وهو ليس كذلك.

لكن لا تظن يا سيدي أن هذا القانون المهم ليس من ابتكارك وحدك فقد سبقك إليه الدكتور الجبلي وزير الصحة السابق الذي استغل العلاج علي نفقة الدولة ودفع بزوجته إلي باريس للعلاج – بل استغفر الله لعمليات تجميل كلفت الدولة مليونيين من الجنيهات وعندما أثيرت مشكلة الفساد واستغلال مبدأ العلاج علي نفقة الدولة استغلالا سيئاً – أعلن أنه سيرد المليونيين إلي خزينة الدولة مستتراً بغطاء عفا الله عما سلف!

أيهما أدعي إلي الشفقة والرحمة رئيس الجمهورية الذي يسرق ويعلو رصيده في العديد من البنوك أم الجائع الغلبان – علي حد تعبيرك لا يجد قوت يومه لا له ولا لأولاده – ومع ذلك فالقانون لا يعفيه من عقوبة السرقة حتي ولو كان جائعاً: أذكر أن قاضياً قريباً لي جاءني ذات يوم مهموما لأنه حكم علي رجل يرتدي أسمالا – بالسجن ستة أشهر – علي ما أذكره لأن هبط حقلا وسرق منه أعواد الذرة وكيزانها وعندما سأله القاضي:

– هل سرقت بالفعل يا رجل؟!

– نعم سيدي القاضي.

– ولمَ؟!

– لأنني كنت جائعاً فأردت أن أسد بها رمقي!

وهنا كاد الجانب الإنساني يتغلب عليه لكنه استعاد وعيه بسرعة وأصدر حكمه بالسجن علي هذا الجائع المسكين، أما رئيس الجمهورية فإن الدكتور الجمل يطالبنا بالعفو والسماح من أهل الملاح فتلك شيم الشعب المصري «الساذج» الذي يترك الحرامي منه لله وربنا يسامحه ويسهل له، ويستر علينا وعليه!

هذه الحجج التي يغلفها يا سيدي خلط واضح بين الأخلاق والسياسة ولكن ذلك موضوع يطول شرحه فلنتركه إلي مقال قادم!

أستاذ الفلسفة بجامعة عين شمس

❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊❊

الاستبداد الدينى التقليدى

المصدر: الأهرام اليومى
د. إمام عبد الفتاح إمام

الأصل فى الاستبداد أن يكون بشرياً فيذوق إنسان بلسان وفم دنسين دماء أهله ويشردهم. وينتهى به الأمر الى أن يصبح طاغية ويتحول الى ذئب – على حد تعبير أفلاطون! لكن البشر هالهم أن يتحول واحد منهم الى طاغية. فإذا كانت له هذه الطبيعة الغريبة فلابد أن يكون من سلالة أخرى تفوق سلالة البشر فأضفوا عليه طبيعة قدسية إلهية. هكذا إلّه المصريين القدماء فرعون مثلما فعل البابليون مع جلجامش. والشرق عموما بمن فيهم الفرس مع الإسكندر! وعندما ظهرت الديانات السماوية ظهر معها مصطلح خاص لهذه الفكرة الغريبة وهو الثيوقراطية Theocracy فهى كلمة مؤلفة من مقطعين يونانيين Theos أى “اله” و Kratia أى حكم بمعنى الحكم لله أو السلطة لله “أو الحاكمية لله” . الخ وقد صاغه لأول مرة المؤرخ اليهودى يوسيفوس Josephus (100- 37 ق.م ) الذى ولد فى أورشليم ودرس الآداب العبرية واليونانية – وكان يعنى بهذا المصطلح التصور اليهودى للحكومة على نحو ما جاء فى التوراة التى تذهب الى أن القوانين الإلهية هى مصدر الالتزامات السياسية والدينية معاً. فالله عند يوسيفوس “هو الذى يحكم الشعب اليهودى بطريقة مباشرة أحياناً كما حدث عند خروجهم من مصر “عندما ارتحلوا فى طريق البّرية. وكان الرب يسير أمامهم نهارا فى عمود سحاب ليهديهم فى الطريق, وليلاً فى عمود نار ليضيء لهم لكى يمشوا نهاراً وليلاً, لم يبرح عمود السحاب نهاراً وعمود النار ليلاً من أمام الشعب” (خروج 13: 20-21 ) كما يحكم الإله “يهوه” الشعب اليهودى بطريقة غير مباشرة أحيانا أخرى عن طريق الأنبياء – كما كان يحدث مع النبى موسى عندما يطلب منه الرب أن يبلغ بنى إسرائيل أن يفعلوا كذا وكذا (قارن مثلاً الإصحاح الرابع عشر من سفر الخروج). وهكذا تغيرت طبيعة الاستبداد وأصبحت دينية فالسلطة مصدرها الله يختار مَنْ يشاء لممارستها, ومادام الحاكم يستمد سلطته من مصدر علوى فهو يسمو على الطبيعة البشرية وبالتالى تسمو إرادته على إرادة المحكومين إذ إنه هو المنفذ للمشيئة الإلهية. ولقد لعبت هذه الفكرة دوراً كبيراً فى التاريخ, وقامت عليها السلطة فى معظم الحضارات القديمة وأقرَّتها المسيحية فى أول عهدها وإنْ حاربتها فيما بعد ثم استند إليها الملوك فى أوروبا فى القرنين السادس عشر والسابع عشر لتبرير سلطتهم المطلقة واختصاصاتهم غير المقيدة. على أن هذه الفكرة قد تطورت واتخذت ثلاث صور متتابعة هي: فى الأصل كان الحاكم يُعدّ من طبيعة إلهية فهو لم يكن مختاراً من الإله بل كان الله نفسه وقد قامت الحضارات القديمة عموما فى مصر وفارس والهند والصين على أساس هذه النظرية وكان الملوك والأباطرة يُنظر إليهم باعتبارهم آلهة وقد وجدت هذه الفكرة نفسها عند الرومان الذين كانوا يقدسون الإمبراطور ويعدونه إلها وإنْ كان الشرق هو أصلها ومنبعها! تطورت النظرية مع ظهور المسيحية ولم يُعد الحاكم إلها أو من طبيعة إلهية ولكنه يستمد سلطته من الله فالحاكم إنسان يصطفيه الله ويودعه السلطة, وفى هذه الحالة تسمى النظرية “نظرية الحق الإلهى المباشر” لأن الحاكم يستمد سلطته من الله مباشرةً دون تدخل إرادة أخرى فى اختياره ومن ثم فهو يحكم بمقتضى الحق الإلهى المباشر. منذ العصور الوسطى وأثناء الصراع بين الكنيسة والإمبراطور قامت فكرة جديدة مقتضاها أن الله لا يختار الحاكم بطريقة مباشرة وأن السلطة – وإن كانْ مصدرها الله – فان اختيار الشخص الذى يمارسها يكون للشعب. وبعبارة أخرى ظهر الفصل بين السلطة والحاكم الذى يمارسها فالسلطة فى ذاتها من عند الله و لكن الله لا يتدخل مباشرة فى اختيار الحاكم و إن كان من الممكن أن يرشد الأفراد الى الطريق الذى يؤدى بهم الى اختيار حاكم معين. ومن ثم فالله يختار الحاكم بطريقة غير مباشرة. ويكون الحاكم قد تولى السلطة عن طريق الشعب بتوجيه من الإرادة الإلهية أو بمقتضى الحق الإلهى غير المباشر. ( نظرية الحق الإلهى غير المباشر) ولقد حاول بعض المسيحيين إقامة دولة دينية استبدادية على نحو ما فعل الراهب والمصلح الدينى سافونا رولا Savonarola (1452-1498) الذى شن حملة عنيفة ضد الفساد الأخلاقى الذى عرفته الكنيسة فى عصره. وبعد نفى آل مدتشى من فلورنسا وكان قد شملهم بحملته أنشأ فى هذه المدينة جمهورية دينية فنقم عليه الكرسى البابونى واتهمه بالهرطقة فشنق وأحرقت جثته على مرأى من سكان فلورنسا جميعاً. وكذلك حاول جون كالفن (1509- 1564) John Calvin اللاهوتى الفرنسى نشر راية الإصلاح البروتستانتى فى فرنسا ثم فى سويسرا ثم أنشأ حكومة صارمة فى جينيف وتميزت الكالفينية بالاستبداد والتزمت والصرامة. ويقول برتراند رسل إن الذين حاولوا إقامة الدولة المسيحية أرادوا محاكاة الدولة اليهودية ووراثتها. ومن هنا كانت محاولة الملوك إبان العصور الوسطى ارتداء عباءة الدين أو الادعاء بأنهم يستمدون سلطاتهم من الله تبريراً لاستبدادهم! أما فى العالم الإسلامى فقد كان الخليفة الثالث عثمان بن عفان هو أول مَنْ زعم أنه يحكم بتفويض إلهى عندما ثارت عليه الجموع من مختلف أنحاء الدولة الإسلامية: من مصر ومن الكوفة ومن المدينة. الخ بعد أن دب الفساد فى الدولة وطلبوا إليه أن يختار أمراً من ثلاثة إما أن يتنحى أو أن يسلم إليهم أقربائه أو يقتلوه ولكنه رفض العروض الثلاثة وقال عن التنحى عبارته الشهيرة “والله ما كنتُ لأخلع سربالاً سربلنيه الله”(أى لباسا ألبسنيه الله) – وكان ذلك أول إعلان بأن عباءة الخلافة يرتديها الحاكم بتفويض من الله فلا يخلعها بناء على طلب الناس “وكتب إلى معاوية فى الشام وإلى بنى عامر بالبصرة وإلى أهل الكوفة يستنجدهم فى بعث جيش يطرد هؤلاء من المدينة” – وكانت الثورة وتسور الناس الدار وكان منهم محمد بن أبى بكر الذى أمسك بلحيته وهو يقول “على أى دين أنت يا نعثل؟! ” وصاحت عائشة فى الجموع ” أقتلوا نعثلاً, قتل الله نعثلا!” تعنى عثمان] نعثل: الشيخ الأحمق [ وتركته وذهبت إلى مكة! ثم جاء الأمويون الذين أعلنوا أن الخلافة حق من حقوقهم ورثوه عن عثمان كما عبرّ الشعراء عن ذلك: تراث عثمان كانوا الأولياء له سربال ملك عليهم غير مسلوب وأشاع بعضهم فى أهل الشام أنهم استحقوا الخلافة لقرابتهم لرسول الله ثم استقروا على النظرية التى حكموا على أساسها ودعموا بها ملكهم الاستبدادى وهى أن الله اختارهم للخلافة وأتاهم الملك وأنهم يحكمون بإرادته ويتصرفون بمشيئته وأحاطوا خلافتهم بها له من القداسة حتى أصبح معاوية فى نظر أنصاره “خليفة الله على الأرض” وهكذا أصبحت السلطة من الله وليس للناس فيها رأى ولا مشورة وراح الشعراء يرفعون من نغمة التقديس إلى التأليه فلا يجد ابن هانى الأندلسى (938-973 م) بعد ذلك أى حرج فى أن يقول للخليفة الفاطمى المعز لدين الله: ما شئتَ لا ما شاءتْ الأقدارُ فاحكم فأنت الواحد القهارُ وكأنما أنت النبيُ محمد وكأنما أنصارك الأنصار وهكذا نجد أن استعداد الشرقيين لتأليه الحاكم ليس وليد اليوم وإنما هو أمر موغل فى القدم منذ أن كان فرعون هو الإله الذى لا راد لقضائه فهو يعرف كل شيء بما فى ذلك مصلحة الشعب نفسه ثم مروراً بالعصر الوسيط حيث كان الخليفة الذى عينه الله بحكمته ليسوس الناس ويروضهم لما فيه صلاحهم فى الدنيا والآخرة إلى أن اخترعنا فكرة الزعيم الأوحد والمنقذ الأعظم والرئيس المخلّص ومبعوث العناية الإلهية والمعلم والملهم الذى يأمر فيطاع لأنه استعار صفة من صفات الله” لا يُسألُ عما يَفعلُ وهُمْ يُسألونْ ” فأحلنا الاستبداد البشرى – بأيدينا – ليصبح استبداداً دينياً!١

تحميل كتب د.إمام عبد الفتاح إمام١

Advertisements

3 Responses to د. إمام عبد الفتاح

  1. أنا سمعت كتير من مشايخ الجوامع حكاية القردة الأنثى التى أقام عليها مجتمع القرود الحد … ولكن لم يخبرنا الشيخ أن الذكر قد أقيم عليه الحد كذلك. سمعت كثيرا عن المرأة الحامل أيم النبى التى أتته بطوعها لتقول له أنا زنيت .. فأنتظر حتى وضعت وأرضعت ثم أقام عليها الحد .. ولكن الراوى لم يقل لنا أن الرجل الذى زنا بها قد أقيم عليه الحد.

    إن تلك القصص الخرقاء التى يرددها المشاخخ ليأكلوا بها عقول البسطاء من الناس ما هى إلا كذب وإفتراء كعادة الأصوليون المعاصرون الذين يكرهون الحقيقة ويجرون وراء الخزعبلات حتى لا يجهدوا أدمغتهم فى التفكير.
    يخرب بيت أم دولارات “الجاز” النفط إلى خلتنا مسخرة أمام الدنيا

  2. nossier says:

    الله عليك يااستاذنا الكبير

  3. Pingback: مصر 30/6 - الصفحة 439 - جسد الثقافة

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s